رواية بين الحب والانتقام الفصل السابع عشر 17 بقلم نور
الدكتور قال - الحمدلله عدت مرحلة الخطر واتكتبلها عمر جديد
على قال- الجنين كويس… صح؟"
الدكتور "جنين إيه؟"
بصّ له علي باستغراب كأنه بيسمع حاجة غريبة:
"و… وعد حامل. عايز أطمن على ابني… هو لِسّه عايش ولا؟"
الدكتور "بس… المريضة مش حامل أصلاً."
الدنيا وقفت.
تسمّر علي مكانه… ومالك وفاطمه اتصدموا.
قالت فاطمه بصوت مبحوح:
"إزاي يا دكتور؟!"
ردّ الدكتور:
"زي ما سمعتوا. مفيش أي جنين في رحم المريضة."
مَلامح علي اتقلبت، وشه كله صدمة…
الدكتور كمل:
"بس… في أثر جراحة أسفل البطن. يدل إن المريضة دخلت عملية فعلاً."
علي قال بصوت مهزوز:
"ممكن… ممكن إيه؟"
الدكتور نطق الكلمة اللي قصفت قلبه:
"إجهضت."
على اتصدم… وقف مبتحركش، ملامحه اتجمدت كأنه لسه مش مستوعب.
مالك قال للدكتور بسرعة:
"تمام… شكرًا يا دكتور."
الدكتور مشي، وسابهم في صدمة المكان كله اتشق بيها.
مالك بصّ لعلي اللي كان واقف زي حجر اتحطم:
"يعلي…"
لكن علي قطع كلامه بصوت هادي جدًا… مخيف:
"ابني راح فين؟"
رفع عينه لمالك…
نظرة واحدة بس، وكل اللي فيها كان وجع عمره.
قال علي وهو بيكتم صرخته:
"يعني إيه… مش موجود؟ يعني إيه مش حامل؟ يعني إيييييييه؟"
مالك قرب منه وقال بصوت واطي:
"اهرَدَى… يعلي… بالله عليك اهدا—"
لكن قبل ما يكمل…
علي زقه بكل قوته في الحيطة.
الخبطـة كانت جامدة…
بس مالك استحمل ولسه مبيتكلمش، عارف إن علي خارج السيطرة.
علي صرخ وهو بيهزّ وشه:
"اَهْدَا إييييييه؟!! متتكلمش خااالص! فاهم؟!"
نفَسه كان بيقطع…
دموع معلّقة في عينه مش قادرة تقع.
"إنت كنت معايا… كنت معايا وموقفتنيش…"
مالك سكت.
كأنه بيتحمل ذنب مش ذنبه.
علي قال وهو بيترعش:
"مقولتليش… إني هوصلها هنا."
مالك رد عليه وهو بيحاول يمسك أعصابه:
"لما حبيتها… ولما اخترت تحطها بين حبّك وانتقامك… قولتلك مش هينفع."
قرب أكتر وقال بصوت بيوجع:
"قولتلك… يا تنسى حبّك ليها… يا تنسى انتقامك.
بس انت اخترت انتقامك… بعد ما دخلتها حياتك يا علي."
علي واقف… مش قادر حتى يتنفس.
ووده كله اتقفل على كلمة واحدة: ابنه اللي اختفى من غير أثر.
مالك كمل وهو حاسس إنه بيجرحه أكتر:
"حاولت… حاولت أفهّمك العواقب.
لأجلك… انت."على ماردش… ولا حتى بص وراه.
مشي بخطوات تقيلة، داخل على أوضة وعد كأنه داخل قبر.
وهو بيقفل الباب…
جه صوت صادم من ورا مالك:
"انتقام… إيه؟!!!"
مالك لفّ بسرعة.
لقى فاطمه واقفة…
وشها اتشق نصين من الصدمة.
على دخل الأوضة.شاف الممرضين لسه واقفين حواليها.واحدة فيهم قالت له:
"لو سمحت… اخرج بره، مينفعش—"
لكن قبل ما تكمل…
الممرضة التانية سحبتها من دراعها وقالت بصوت واطي:
"سيبيه… متعرفيش ده يبقى مين ده قلب المستشفى دى."
خرجوا.واتقفل الباب.
وبقى علي… ولوحده تمامًا… مع وعد.
قعد جنبها.
إيده قربت من وشها…
اللي مليان جروح.
ضمادات حوالين رقبتها، صدرها، رجلها…
كسور واضحة… كأن كل جزء فيها صرخ قبل ما يقع.
حتى لو عاشت…
الحياة مش هتسيبها تخرج سليمة.
على بصّ لها…
دماغه بترجع لكل كلمة قالتها قبل ما توقع نفسها.
قال بصوت مكسور، مش قادر يمنع الرعشة منه:
"ليه… ليه عملتي كده؟
ليه نفّذتي تهديدك… بالشكل ده؟"
كأن كل حرف كان طلقة… خارجة من جوّه.افتكر نظرتها الأخيرة…
النظرة اللي كانت بتنزف دموع وفيها انتصار غريب…
وكأنها أخيرًا شافته بالشكل اللي هددته بيه يومها:
"اوعدك يا علي إني هخليك تندم… هخليك تجيلي والدموع في عينك."
والنهارده؟
نفّذت.
انتصرت.
بس انتصار مكسور… كله موت.
على قرب إيده منها…
مسك صوابعها البارده…
وإيده بترتجف كأنه ماسك سِكّين في قلبه مش إيدها.
قال بصوت مخنوق:
"إزاي؟… إزاي تعملي جنان بالشكل ده… عشاني؟
ليه تأذيني فيكي… بس عشان تشوفي خوفي عليكي؟"
اتنفس بوجع.
ميل جبينه على ظهر إيدها:
"بعد كل كدبي… وكل القسوة…
كان عندِك ثقة إني كدّاب…
إزاي؟… إزاي وصلتك لهنا؟
أنا السبب…
أنا السبب الوحيد في كل اللي انتي فيه…"
رفع وشه ليها…
عينه كانت منكسرة بزيادة عن اللي شافته قبل العملية:
"متسبنيش يا وعد…
وعد… متسبنييش… أرجوكي…
مش هسمحلك تموتي… مش إنتي كمان…"
قرب منها أكتر…
كان صوته بيتهز وهو بيهمس عند ودنها:
"فوقي… جاوبيني…
عرّفيني… ابني راح فين؟"
بصوله نزل على بطنها…
تخيّلها فاضية…
كأن روح الطفل انسحبت وانتزعته من قلبه قبل ما تنسحب من جسمها.
نزَلت دمعة جديدة…
مكنش قادر يمنعها:
"عملتي فيه إيه يا وعد…
ابني راح فين؟"
قرب شفاهه من صوابعها الباردة:
"افتحي عينِك… أرجوكي…
واقفي الكابوس ده…"سالت دمعة من عين علي… دمعة من النوع اللي أول ما ينزل يهدّ جبل.
قرب من وجهها، وبصوت مبحوح قال:
"أوعدِك…
مش هقسى عليكي تاني…
أوعدِك هتكوني معايا…
وهبعدِك عن كل ده…
هتشوفي يوم مفهوش غير أنا وانتي… وابنّا."
مد إيده ولمس بطنها…
لمسة كانت كلها حزن… وقهر… وكسرة.
"أنا آسف…
والله آسف…
سامحيني يا وعد…"
نزل برأسه…
كأن الجرم كله واقع على كتافه…
تأنيب… ذنب… خطايا عمر.
عند الباب…
فاطمه قالت بصوت متلج بس مرعوب:
"يعني إيه… انتقام؟
الكلمة اللي قالها دي… يعني إيه؟"
مالك شد نَفَسه وقال وهو بيخبّي قد ما يقدر:
"اللي سمعتيه…
انسيه."
فاطمه حدّقت فيه بنظرة مش مستوعبة:
"أنساه؟ إزاي؟
هو يقصد إيه؟ قولي يا مالك!"
مالك قال ببرود ظاهري… وقلق دافن جوه:
"كلمة رماها كده… ملهاش معنى."
فاطمه هزّت راسها بحدة، وقالت بغضب موجوع:
"الكلام ده تقولُه لحد تاني… مش ليا أنا!
وبعدين… أنا لحد دلوقتي مش فاهمة إزاي هو قادر يمثل كده بعد ما باعها…
ورماها وهي حامل…
وخدع عيلة كانت بتحبه زي أبوها… وحبيبها!"
مالك بص لها بصوت داخلي بيقول “انتي مش فاهمة حاجة” لكنه نطق اللى يقدر ينطق بيه بس:
"رماها؟
شايفة الراجل اللي جوه ده شكله خدعها؟
شايفة في عينه الخداع؟
ولا الحب؟"
وقف مالك ثانية…
بص للباب اللي وراه علي منهار:
"ده منظر واحد… محبّش؟"
قالت فاطمه بحنق:
شايفه حب مسموم مؤذى، مرض… سبب أذيه كبيره لبنت ملهاش ذنب غير إنها حبت وغلطت، غلطت غلطة عظيمه بسببه… وف الآخر وصلها لإيييه؟
… انتحااار.
قال مالك:
وعد مش غبيه عشان تنتحر.
وعد الوحيده القادرة تقلب موازين لو فكرت صح… ولو مكنتش كده؟ مكنتش خوفت من وجودها ودخولها لحياة علي.
قالت فاطمه:
عايز تقول إيه بالظبط؟
اتفتح الباب وخرج علي… وهِنا صمتوا هما الاتنين.
قرب مالك من علي وقال:
لازم تروح، كلهم بيدوروا عليك و—
علي مدّلوش أي اهتمام ومشي ناحية عبير.
قال مالك:
علي—
بصّت فاطمه لعلي، اللي وقف عندها، وقال:
كنتي فين وهي بترمي نفسها؟
سكتت فاطمه، وملامحها اتبدّلت ميت درجة.
قال علي:
مفروض إنك كنتي معاها.
مفروض إني بعتّك… وسددت مصاريف قبضك كاملة، لمجرد إنك تمشي من عند بدران… وتروحي تقعدي معاها كعين ليا أنا
قالت فاطمه:
أنا مش عين لحد، ولما مساعدك ده قالّي أروح مع وعد… أنا مفكّرتش في فلوسك، بل شوفتها فرصة إني أكون معاها.
ولو إنت خايف عليها أوي كده… مكنتش عملت اللي عملته و—
قال علي:
متتخطيش حدّوووودك… وجاوبي على أسئلتي وبس.
غضبت فاطمه منه وقالت:
ملكش إنك تسألني.
قال علي:
لما أكون حاطّك هناك عشانها… وعشان توصّليلي كل نفس هي بتاخده، وتكوني معاها…
وف الآخر أتفاجأ باللي حصلها…
وكمان الدكتور قال إنها أجهضت…
ده يبقى إييييه؟
خافت فاطمه، لكن قالت:
أجهضت؟!! وعد؟!
قال علي:
ابني فين؟
وعد كانت حامل… وأنا واثق إنها كانت حامل.
قالت فاطمه:
بس أنا مليش دعوة… أنا بس كنت بَهتّم بيها.
قال علي:
بتهتمي بيها… وتوصل إنها تنتحر؟
قالت فاطمه:
هي عملت كده بسببببك… أنت.
علي جمع قبضته… ودمعة نزلت في عينه، وقال بجمود:
كان بإيدِك تكلميني… وأمنع يحصلها كده.قالت عبير، وصوتها بيرتعش من الغضب:
لما كنت باخدلك أخبارها… ده كان إيه؟
مش كنت بقولّك إن حالتها ملّ… وإنها بتِسوء يوم بعد يوم؟
مش قلتلك إنها مش بتاكل غير بالعافية؟
هل اهتمّيت؟
هل سألت نفسك ليه راحتلك ورجعتلي منهارة؟ ليه كانت بتعيط وتحبس نفسها في الأوضة اليوم كله؟
لأنك كسرتها… أنت.
إنت اللي عملت فيها كده… مش أنا.
ولو أنا غلطانة… فهي حاجة واحدة بس:
إني معرفتش… أوووووقفهه.
علي رفع عينه ليها فجأة وصوته اتغير:
توقّفي مين؟
اتوترت فاطمه، بس شدّت نفسها وقالت:
أوقفها… إنها تروحلك.
قال علي ببرود خطير:
سؤالي واضح…
كنتــــــي فيييييين… وكل ده بيحصل؟
مفيش حد مسؤول قدّامي هنا غيرك.
قالت فاطمه:
بس أنا—
قاطعها علي بصوت مجروح بس قاسي:
متتكلميييش…
كنــــــتي فيـــــــن.
فاطمه اتلخبطت، حاولت تتماسك:
أنا… أنا كنت بدوّر عليها في الأيام دي… والله.
دخل مالك وقال بحدّة:
بتدوّري عليها إزاي… ما هي كانت في الفيلا؟!
سكتت فاطمه، وبصّت لعلي بخوف…
عينه ثبتت عليها زي السكينة.
قال علي:
مترددى…
بتدوّري عليها إزاي؟
قالت فاطمه بصوت متقطع:
وعد… مكنتش في الفيلا الأيام دي.
كانت متغيّبة.
ولو رجعت… يبقى من امبارح بس.
لكن قبل كده… كانت برا.
علي اتجمد، وبصوته المنخفض اللي يخوّف أكتر من الصريخ قال:
يعني إييييه… متغيّبة؟
سكتت فاطمه، الخوف ماسك لسانها.
قال مالك بحدة:
اتكلّمــــي.
كانت فين؟
راحت فين؟
ومع مين؟
قالت فاطمه وهي بترتعش:
معرفش…
مسكها علي من دراعها فجأة، ومسكة واحدة كانت كفيلة تكسر دراع ستّ كبيرة زيها، وقال بصوت يخلّي الدم يتجمّد:
انطقي— إييييه مخبياه؟
وعد كانت فين؟
دموع فاطمه نزلت من الرعب، وقالت:
والله… والله ما أعرف… حاولت… بس هددني…
علي قرب منها أكتر:
هو مــــــين؟
سكتت.
السكوت كان اعتراف أكبر من الكلام.
وهنا…
علي طلع مسدّسه.
وحطّ فوهته على راسها.
اتسعت عيون مالك:
علـــي!!!
فاطمه اتجلدت مكانها، رجليها اتخبطوا في الأرض من الخوف.
قال علي وهو ماسك المسدس بثبات قاتل:
اتكلمــــــي.
حياتِك… مش هتهون عليا… قدّام حياتها.
عيطت فاطمه بصوت مكسور:
مش هقدر… والله… مش هقدر أقول…
علي عمر السلاح.
الصوت دوّى في الأوضة زي حكم بالإعدام.
هجم مالك عليه، مسك دراع علي بكل قوته:
علي!
هتعمل إييييه؟!
ارجّع السلاح فوراً… قبل ما حد يشوفك!
علي زعق وهو بيقاومه:
ابعد!
دي عارفة حاجة كبيرة… ومخبّيــــاها!قال مالك وهو ماسك علي من كتفه:
لو كانت تقدر تقولك… كانت اتكلمت.
مش هتعرف تاخد منها حاجة.
وتفتكر… موتها؟
ده بالنسبالك يبقى مكسب؟!
علي بص لفاطمه…
كانت ست ضعيفة، مرعوبة، دموعها واقفة على خدها.
بيَد مرتعشة، سحب إيده عنها… لكن ضيقه كان باين ف ملامحه.
رفع صباعه قدّام وشها ببطء وقال بصوت ثابت يخوّف:
لو كنتي سبب واحد…
في أي أذى ليها…
اعرفي إنّي… مش هرحمِك.
فاطمه بكيت بصمت، صوتها اختفى.
بص علي لمالك وقال بحدة:
خرجها برا.
وجودها هنا… مبقاش ليه لازمة.
مالك قرب منه وقال بصوت متوتر:
إنت اتأخرت يا علي… لازم تمشي.
علي رفع عينه له بحدة:
أمشي؟!!
أنا… ف مكاني الحقيقي يا مالك.
مالك اتوتر أكتر:
فين؟!
قال علي بحدّة مُرتجفة من جوّه:
هنا… جنبها.
مالك حاول يقنعه:
بدران بيه بيدوّر عليك.
لازم تمشي يا علي… وأنا هأمّنها.
علي كأنه بيتحرق من جوّه وقال بصوت مخنوق:
مش هقدر…
مش هقدر أمشي وأسيبها.
كفــــــاية لحد هنا يا مالك… كفاية.
لفّ علي وهو هيخرج، فمسك مالك دراعه بسرعة:
علي…!
علي زقّه بقوة خلته يترنح:
بقوللك… كفـــاية!
مش كفــــاية اللي حصلها… بسببـــــــي؟!
كانت الكلمة الأخيرة زي طلقة…
طلقة داخل صدر علي نفسه قبل ما تكون لحد تانيبصّله مالك بحدة…
لكن علي كان واقع، صوته طالع مخنوق، متكسر:
"كانت هتموّت…
انتحرت… بسببي.
إيدي… فيها دمّها.
أنا عملت فيها نفس اللي اتعمل في منى…"
نزلت دمعة من عينه… دمعة كسرت كل قسوته:
"أنا قتلتها…
أنا بقيت أوحش منهم…
أنا… كنت سبب انتحارها وإذيتها.
أنا… مفيش غيري."
مالك فتح بُقه… بس مَقدِرش ينطق.
كان شايف قدّامه راجل منهار… مش علي اللي يعرفه.
حسّ إن علي بيقوله ضمنيًا:
إنه مش هيعرف يكمل…
لأنه لو مكمّل… هيأذي وعد أكتر.
علي ما استناش رد.
لف وداخل الأوضة…
قافل وراه كل باب للنقاش.
وكأنه أعلن…
إنه خلاص غرق جوّا ذنبه لدرجة محدّش يقدر يطلعه منها.في الحفل المقلوب…
*****
الناس واقفين في ضوضاء مش مفهومة، كل واحد بيبص للتاني، وكلهم مصدومين بعد ما علي جري وساب كتب الكتاب وانهار النظام كله.
نــادين كانت واقفة مع رانيا لوحدها، مرعوبة ومش فاهمة أي حاجة.
قالت رانيا وهي بتحاول تهديها:
"اهدّي يا نادين… بدران هيتصرف."
ردّت نادين بصوت مرعوب وهي بتحاول تشهق هوا:
"الناس كلهم بيبصولي… أنا باينة على كل لسان… باينة أضحوكة."
رانيا كتمت غيظها وقالت بنرفزة وهي بتعضّ على أسنانها:
"فين علي؟ راح فين؟ إزاي يسيب كتب كتابنا ويمشي بالشكل ده؟"
قالت رانيا:
"دلوقتي هنعرف… فـ إيه."
بصّوا قدّامهم لقوا بدران واقف بعيد، ماسك الموبايل، بيعمل مكالمات ورا بعض، بعد ما أمر رجّالته يمشوا ورا يوسف ابنه ومحمود مساعده عشان يلحقوا علي ويشوفوا راح على فين.
ملامح بدران كانت مرعبة…
لا بصّ لنادين…
ولا لرانيا…
وكأن اللي حصل أكبر بكتير من إنها فضيحة حفلة.
بعد لحظات، جه محمود ووقف جنب بدران، واتكلم في ودنه بجملة قصيرة.
رانيا ما قدرتش تسمع…
بس اللي شافته كان كفاية:
وش بدران اتجمّد.
برود مخيف نزل على ملامحه…
كأنه سمع كارثة…
مش مجرد مشكلة.
لحد ما بدران وقف في نصّ الحفل…
رفع صوته وقال بثبات مصطنع:
"عذرًا يا جماعة على سوء الفهم اللي حصل… الحفلة ملغية.
اتلغى كتب الكتاب.
واللي عنده أشغال يقدر يمشي.
حصل ظرف لعلي أخويا ومش هيقدر يحضر."
القاعة وقفت لحظة…
الكل تلفت له، العيون عليه، والهمس بدأ ينتشر زي النار.
نادين بصوت مرتجف قالت لرانيا:
"هو بيقول إيه بدران؟!"
رانيا اتوترت:
"معرفش… أكيد وراه سبب."
الناس بدأت تتحرك، همسات عالية، الكل بيمشي والحفلة بتفضى بسرعة.
نادين قربت من بدران وسابت رانيا وراها، ووقفت قدامه مباشرة:
"علي فين؟"
قال بدران ببرود مستفز:
"معرفش."
اتصدمت نادين:
"متعرفش إزاي؟! لسا قايل للناس إن حصل ظرف! إيه اللي خلاه يمشي؟!"
قال بدران بنبرة واقعية تقيلة:
"أنا قلت كده عشان أدارى على الفضيحة…
وعشان سيرة العيلة ما تتجابش على لسان حد… ولا الصحافة تمسكنا."
اتسعت عين نادين:
"واللي حصل ده… سهل؟! علي يعمل كده إزاي؟!"
قال بدران وهو بيفرك جبينه بعصبية:
"معرفش… محمود لسه قايل إنهم ملحقوش يعرفوا مكانه من سرعته."
قالت نادين بنبرة حادة مش قادرة تتحكم في صوتها:
"يعني إيه؟! عايز تقول إنه هرب مني؟!
حسّ إنه بيتورّط؟!"
بدران بصلها بصمت… النظرة اللي معناها: اسكتي بس ومتفكريش غلط.
لكن نادين انفجرت أكتر:
"علي راضي بيا كزوجة تمام…
وهو اللي طلبني… تمااااام؟!"
رد بدران بنبرة مضغوطة:
"لو عايزة تفرّغي غضبك… طلّعيه في علي لما نعرف هو فين.
غير كده… كلامك مش معايا يا نادين."
اتكسفت نادين شوية، ووشها حمّر من الإحراج.
رانيا مسكتها بسرعة وقالت لبدران:
"معلش… ملهوش دعوة بكلامها."
نادين حاولت ترد، صوتها بيترعش:
"أمال مين اللي ليه دعوة؟!
أكيد في كارثة حصلت خلّت علي يمشي كده…
مستحيييل يسبني!"
وهنا ظهر يوسف واقف جنبهم، واضح عليه إنه جاي بخبر تقيل.
قال لبدران بصوت منخفض:
"عرفت هو فين."
تنفس بدران بسرعة وقال:
"ها؟!"
قال يوسف:
"لأ…
بس البوليس بيدوّر عليه حالياً."
اتجمدت نادين في مكانها، واتسعت عينيها:
"بوليس؟!"
قال بدران باستغراب وقلق بدأ يبان على صوته:
"بيدوّروا عليه ليه؟!"
يوسف ابتلع ريقه وقال:
"دخل في كمين…
من شدة سرعته بالعربية.
وكان… كان هيصدم الظباط.
ولا عمل احترام للقانون… ولا الشرطة…
وهم لحقوه بالعافية.
بس لحد دلوقتي حتى البوليس… مترصدش مكانه."
قال بدران بصدمة:
"جراله إيه؟!
وراح فين أصلاً عشان يبقى بالمنظر ده؟!"
قالت نادين وهي بتتكلم بصوت عالي مش قادرة تتحكم فيه:
"أكيد في مصيبة! لازم تعرفوا هو فين!"
قال يوسف:
"أنا بلغت الرجّالة يدوروا عليه في كل الاتجاهات."
لكن بدران رد ببساطة مخيفة:
"مش هيلقوه."
نَدين تلفتت له بحدة:
"يعني إيه مش هيلقوه؟!
هو أنت عارف مكانه؟!
بتخبي؟!"
بدران نقل نظره عليها ببصة جامدة… مفيهاش ولا ذرة تهاون.
رانيا بسرعة مسكت أختها وقالت:
"معلش يا بدران… نادين بس عصابها تعبانة."
قال بدران ببرود نفاذ الصبر:
"خدي أختك… واضح إنها مش واقفة على رجلها النهارده."
رانيا سحبت نادين، ونادين كانت بتقاوم وتقول:
"سيبيني! هو بيخبي حاجة!"
لكن رانيا سحبَتها غصب.
يوسف استغل اللحظة وسأل أبوه:
"ليه بتقول يا بابا إن الرجّالة مش هيلقوه؟"
قال بدران بصوت تقيل:
"علي… لما بيغيب، بيغيب عن الكل.
ولما بيقرر يظهر… بيظهر بمزاجه هو."
قال يوسف باستغراب:
"طب وكتب الكتاب؟!"
بدران بصله بنظرة فيها غضب خفيف وقال:
"ده اللي همّك؟"
قال يوسف:
"أمال إيه اللي هيهمّني غير كده؟"
رد بدران بنبرة حاسمة:
"ده آخر حاجة المفروض تهمّك.
نسيت بعد بُكرة إيه؟
ونسيت افتتاح الموسم… والمؤسسات؟"
تجمد يوسف وقال بصدمة:
"إزاااي نسيت!"
قال بدران بخطر واضح:
"لازم نلاقي علي فوراً…
لازم يجي بنفسه.
ولو مجاش؟
هتبقى مشكلة كبيرة جداً علينا كلنا.
ووقتها… انسَى إن شركتنا تدخل في المؤسسات الدولية لمصر."
****
فى المستشفى،
موبايل علي كان بيترن بشكل هستيري… مكالمات ورا بعض،
بس هو سايبه على الصامت،
محطوط في جيبه كأن الدنيا المقلوبة بره الأوضة دي مش موجودة.
دخل الدكتور.
أول ما شاف علي، قلبه انقبض… لسه فاكر تهديده بخصوص حياة وعد.
قرب بهدوء، قاس مؤشّراتها الحيوية.
علي قام خطوة لورا وهو شايفه بيفحصها.
— هتفوق إمتى؟
قالها علي بصوت خشن.
"مفتحتش عينيها لحد دلوقتي."
الدكتور اتردد لحظة قبل ما يرد:
— هي في حالة نوم عميق.
علي عقد حواجبه:
— يعني إيه؟ أنا محتاج أتكلم معاها.
— ادعيلها تفوق من الغيبوبة اللي هي فيها.
علي شهق، الكلمة ضربته:
— غيبوبة؟!
— أيوه.
تأثير البنج خلص من بدري، ومؤشراتها مستقرة،
بس مش راضية تفوق… فدخلت في غيبوبة مؤقتة.
حياتها في أمان.
سكت علي.
عينه اتحركت على جسد وعد…
الجبائر، الكدمات، العجز الملقى على السرير.
قال بصوت واطي موجوع:
— مش هتكون سليمة جسديًا… صح؟
الدكتور بلع ريقه:
— عندها كسر في رجليها وذراعها،
وهنحتاج نشتغل عليهم بالأشعات والعلاج…
قال علي باندفاع:
— هتنقلها مستشفى تانية… أو أسفرها بره… المهم ترجع زي ما كانت وأحسن.
الدكتور بص له لحظة، بنظرة هادية تقيلة:
— ربنا الشافي،
اللي في مصر هو هو اللي في أي بلد في الدنيا.
متفكرش إننا هنقصر… متقلقش، هتبقى كويسة.
ثم أضاف:
— عن إذنك، ورايا شغل.
خرج وسابه لوحده.
علي قرب من وعد، قعد جنب السرير.
في اللحظة دي موبايله رن تاني…
اسم مالك،
وبعده رضوان.
مكالمات ورا بعض.
وشه شد،
وفي ثانية كان رامي الموبايل على الأرض…
اتشقق، اتخدش،
زي قلبه بالظبط.
ما اهتمش.
همس وهو باصص لوعد:
— خلاص… أنا معاكي.
وكأن العالم كله برّه الأوضة دي اتقفل.
ولا حد، ولا شغل، ولا انتقام،
ولا حتى الماضي اللي كان عايش عليه.
كأن أول مرة يفهم
إن كل اللي كان بيعمله…
هو اللي وصل وعد للنقطة دي.
*****
في الحديقة، كانت الطيور بتطير بفزع من صوت الرصاص،ورضوان واقف ماسك بندقية صيد، رضوان يضرب في الجو بدقة قاتلة، وسماء الصبح بتتشقق بصوت الرصاص،لحد ما سقط طائر صغير على العشب قدامه.
وقف الحراس حواليه في صمت،ومالك كان على بعد خطوة، متماسك كعادته.
رضوان بصله وقال – "علي المفروض هينفذ خلال اليومين الجايين؟!
رد مالك بثبات:
– "وأنت بدورك... هتكون حاضر."
ابتسم رضوان ابتسامة فيها غموض،
رفع البندقية تاني،وقال
– "أنا مقلق من علي يا مالك... في حاجة هترجعه خطوة لورا، زي اللي حصل قبل كده... لولا تدخلي."
وكان يقصد وعد، مالك بصله وافتكر وجوده فالمشفى وان على هيتنازل
فقال – "يمكن يومها حضرتك اديته دافع، بس علي مستحيل ينسى هدفه.
هيفضل ينفذ مهما حصل، في سبيل حاجة واحدة... انتقامه."
ضحك رضوان ضحكة قصيرة فيها نغمة سخرية،
وقال وهو بيرفع البندقية تاني:
– "بقيت تعرف علي أكتر مني يا مالك؟
باين إن شغلك معاه أخد مسار تاني."
رفع السلاح، وضرب طلقة في السماء.
صوتها شق الهدوء زي صفعة.
قال بعدها بنبرة تقيلة وهو بيبص في الأفق:
– "فاكر يا مالك يوم ما عينتك واحد لرجالة على؟كنت وقتها لسه تحت تدريبي...ودلوقتي، اتحولت من تبعي لتابع لعلي بس."
مالك قال:
– "شغلي الحقيقي مع علي يعني إن ماليش ولا ل حد غيره."
ضحك رضوان وقال وهو بيحط السلاح على كتفه:
– "واضح إن علي طبع عليك شخصيته...
بس هو كسبان، عنده حارس زيه...
طول بعرض، وصاحب في نفس الوقت.
أوقات بحسده."
رد مالك – "تحسده على إيه بالظبط؟ على أكتر واحد محدش بنفع يحسده ع حاجه واحده فى حياته... لأن على ملهوش حياه
رضوان بصله بنظرة جدية، رفع السلاح وضرب طلقة تانية،
الطائر وقع قدامه في لحظة واحدة.
قال بعدها بهدوء شديد:
– "على دماغه...
هو مميز حتى عني أنا شخصيًا."
مالك بص على إيده لاحظ خرابيش قال -اى ده
بص رضوان ونزل كم قميصه وقال مفيش ده قط برى
قال مالك- شكل الخرابيش قريبه
مردش عليه رضوان وقال - لو خلصت الحق امشي
قال مالك - انت عارف على فين صح، عارف هو فين ومع مين
سكت رضوان ثم بص لمالك من كلامه، قال مالك - متصدمتش ليه ولا سالت ع الى حصل لوعد
قال رضوان- عرفت من المراقبه الى حاططها عليها
قال مالك -انا شقتك
وهنا وقف رضوان عن ما فعله الجمله مفهاش معنى لكن دماغهم الاتنين بس تفهم مغزى الجمله
مالك بصله للحظه، وبعدين قال:
– "هسال حضرتك سؤال كنت عايز اعرفه من زمان وجه دورى اسأله... إزاي عرفت علي؟"
ابتسم رضوان ابتسامة غامضة،
نظر للطائر اللي نازف على الأرض،
وقال بصوت واطي فيه نغمة اعتراف قاتلة:
– "أنا عارف علي من يوم ما اتولد..."
بص له مالك بدهشة، قلبه سحب نفس قوي،
وساعتها رضوان كمل بنبرة حاسمة تقطع الصمت:
– "علي... ابن أختي.
****
كان علي قاعد على الكرسي جنب سرير وعد،
محنّي راسه بين إيديه،
صمت تقيل يخنق الهوا.
رفع عينه ببطء ليها…
ملامحها ساكنة،
ولا رمشة،
ولا نفس ظاهر.
الغيبوبة كانت أطول من اللي يطمن.
دمعة نزلت من عينه من غير ما يحس.
صوته خرج مكسور:
— افتحي عينك يا وعد… كفاية كده.
رجع دفن وشه بين إيديه.
وفجأة…
الباب اتفتح.
علي حس بوجود حد،
لكن مفيش صوت خطوات،
ولا حد دخل.
رفع راسه.
رضوان كان واقف عند الباب،
واقف كأنه بيتفرج على مشهد ممنوع.
نظرة علي اتغيرت فورًا.
حدة، نار، تحذير.
رضوان دخل أخيرًا وقال:
— فين تليفونك اللي رميته؟
علي:
— إيه اللي جابك هنا؟
رضوان قرّب خطوة، صوته واطي لكن تقيل:
— عرفت من الدكاترة إنها في غيبوبة.
رغم إني واجهت صعوبة أوصل لأي معلومة بسبب تحذيرك لرئاسة المستشفى…
بس وصلت.
لأن أي حاجة تخصك… تخصني.
سكت لحظة وبص لوعد،
ثم رجّع نظره لعلي:
— واللي بيحصل لها… مش موضوع بسيط.
الجو اتشد،
كأن الأوضة كلها بقت ساحة مواجهة،
ووعد نايمة في النص…
بين اتنين كل واحد فيهم عالم خطر لوحده.
قرب رضوان منها،
وهنا علي وقف، قرّب منه ووقف في وشه.
رضوان أخد حذره من علي وقال:
— اهدّي… أنا بس عايز أشوف مرحلتها وصلت لإيه.
بص رضوان لوعد،
وقال بهدوء مستفز:
— مسكينة… شبه الميتين،
بل لو كانت ماتت كان هيبقى أفضل ليها… وليك.
علي مسكه بقوة وزقه في الحيطة:
— أنا مش بقولك اخرج؟!
رضوان رفع إيده باستسلام وحذر،
عارف إنه مش قد علي:
— خلاص… خارج.
خرج رضوان،
وعلي قفل الباب على وعد ومشي وراه،
كأنه بيطرده من عالمها.
وقفوا في حتة بعيدة في طرقة المستشفى.
رضوان:
— مش همشي يا علي إلا لما أتكلم معاك.
علي:
— مفيش كلام يتقال دلوقتي.
رضوان ابتسم بسخرية:
— ليه؟ عشان ضعيف؟
علي بصله بنظرة نار.
رضوان كمل:
— مش دي الحقيقة…
إنت ضعيف بسببها.
لعنة بدران…
هي وعد هانم.
قال علي:
— إياك تذكر اسمها.
رضوان ابتسم بسخرية:
— بقيت تهددني كتير من وراها يا علي.
علي قرب خطوة:
— المرة الجاية هنفذ،
لو ما وقفتش وسوستك اللي جاية تكملها
عشان تخليني أبعد…
وأكمل وأدوس عليها أكتر زي ما خلتني أعمل.
رضوان رد ببرود:
— أنا اللي خليتك تعمل؟
ولا إنت اللي اخترت؟
منى وحقها وحقك…
ولا نسيت؟
علي صرخ:
— اسكتتتت!
رضوان قرب أكتر:
— بقيت تنسى منى قدّام وعد يا بدران.
علي رفع صباعه في وشه:
— اسكتتتت بقووولك!
اسكتتتت!
رضوان بصله بثبات.
علي قال بصوت مبحوح:
— ولا كلمة تاني عن وعد أو منى…
سمعتني؟
رضوان:
— علي…
علي قاطعه بانهيار:
— علي خلاص…
مبقاش قادر.
رضوان بحدة:
— على إيه بالظبط؟
على انتقامك؟
خلاص بتتخلى؟
علي ضحك بوجع:
— من ميييين؟
أنا عمري ما أنسى انتقامي…
بس من مين؟
لو طلع بدران وعيلته برّه اللي حصل لمنى،
والجاني شخص تاني…
هكون عملت مصيبة كبييييرة.
قال رضوان بسُمّ:
— هي وصلت فيك إنك تشك في الفاعل؟
بسببها… بسبب حبك لوعد؟
وصلت إنك عايز تبرّأ اسم عيلتها
عشان متأذيهمش… عشانها.
عشانها بتنسى شرفك وحق أختك.
سكت لحظة وبعدين كمّل:
— بتشك إن بدران هو الفاعل،
بعد ما لقيت اسمه في قضية منى.
علي انفجر:
— اسكت!
أنا دورت كتير…
حتى الظابط مات بالملف،
مفيش أي دليل!
رضوان قرّب أكتر:
— وده ملفتش نظرك؟
إن بدران دبّر وخطّط
عشان يخفّي كل حاجة
ويدفن الحق والجريمة؟
وحتى لو مش هو…
ده يخليك تقف؟
تتراجع؟
مش عايز تعرف الفاعل؟
علي بصله بعيون منطفية:
— أنا بقيت مجرم… أنا كمان.
رضوان قال ببرود قاسي:
— وده كان اختيارك.
ولا نسيت؟
سكت علي.
الصوت اختفى،
والممر اتحوّل لفراغ…
ورجع بيه المشهد…
زمان.
فلاش باك…
كان علي واقف قدّام رضوان، لسه في سن العشرين،
ونظرة رضوان ماشية عليه من فوق لتحت وكأنه بيقيّم سلاح مش بني آدم.
قال رضوان بهدوء بارد:
— آخر مرة شوفتك كان عندك سبع سنين…
ماتوقعتش تكبر وتقدم على فعل مجنون زي ده وتورّط نفسك بالشكل ده.
قال علي بحدّة:
— إيه اللي جابك هناك؟ ومين الرجالة دي؟
ابتسم رضوان ابتسامة مفيهاش روح:
— عرفت إنك كنت ناوي تهاجم بدران وانت أعزل،
زي أي غبي بيرمي نفسه في الجو وهو معهوش ولا مظلة.
كنت هتعمل إيه بعد ما تأذيه؟
فاكره هيموت بسهولة؟
علي صوته ارتعش:
— هيموت… زي ما منى ماتت.
هيموت.
ده الشخص الوحيد اللي اسمه اتذكر في قضيتها.
رضوان قرب خطوة:
— وتفتكر إن الحق بيتاخد بالقتل بس؟
ولا انت مش عايز تنتقم لها… انت عايز ترتاح؟
علي انفجر:
— ليه خلّيتني أنقذه؟
ليه وقفتني وأنا بهاجمه؟
وبعدين تبعت رجالتك تقتله!
وتقولي أنقذه كأنه روحي وإلا حق منى يضيع!
منين أنقذه؟
ومنّين ده عدوي؟
قال رضوان وهو باصص له بنظرة فيها قسوة:
— إنت عايز إيه يا علي؟
قدامي شِبل مجروح، مفيش في عينه غير نار… نار مميّزة.
قال علي بصوت مخنوق:
— إنت عارف مين السبب في اللي حصل لمنى.
رد رضوان بهدوء قاتل:
— معرفش يا علي.
قال علي بسرعة:
— نفوذك يخليك تعرف.
تنفّس رضوان بعمق وقال:
— مش بالساهل كده.
القضية أكبر من إنها تتفتح…
وزراء دولة ماقدروش يقربوا لها.
قضية مدفونة.
يعني حقها ضاع.
لفّ علي حواليه كأنه بيتخانق مع الهوا، وبعدين وقف قدّامه:
— ساعدني.
رضوان وقف، وابتسامة باردة ارتسمت على وشه:
— هساعدك…
بس ورا فعلك ده هدف.
هتستخدمني وأنا هستخدمك.
إنت في المقابل تساعدني.
قال علي وهو رافع عينه فيه:
— على إيه؟
قال رضوان:
— إيه؟
قال علي بصوت مليان سواد:
— انتقام.
باك
رجع بعقله للحظة دي، وصوت رضوان بيرن في ودنه:
— إنت اللي طلبت مساعدتي، يا علي.
وأنا جاي النهارده أساعدك…
وأقولك إن الملف ما اتمسحش.
والقضية موجودة.
قال علي باستغراب:
— إزاي؟ أنا سألت سهير، وأكدتلي إن يوسف حرق الملف.
ابتسم رضوان ابتسامة خفيفة فيها سخرية:
— الظابط الفاسد ده ماكانش غبي زي ما سهير فاكرة…
واضح إنه كان سايب نسخة من الملف في قبره،
كأنه واثق إن القضية دي هتفتح من تاني.
نظرات علي اتبدلت… بقت حادة، بتثقب وش رضوان.
— إنت بتلمّح لإيه؟
معنى كلامك ده إيه؟
سكت رضوان.
وسكوته كان أبلغ من ألف كلمة.
علي انفجر:
— أنا مش بكلمك!
إيه اللي إنت عايز تقوله؟!
مدّ رضوان إيده، وطلع كارت صغير.
علي بصله بشدة.
قال رضوان بهدوء قاتل:
— ملف القضية، يا علي.
اتسعت عيون علي،
وبص للكارت كأنه شايف فيه عمره كله.
قال رضوان:
— هنا قضية منى أختك…
وحقها كامل.
هنا إثبات إدانة بدران،
وجريمته بكل تفاصيلها.
هنا المجرم الحقيقي.
وهنا براءة منى…
اللي حولوها لمجرمة.
علي كان ماسك الكارت،
إيده بترتعش،
وكأن أمل كان ميت…
ورجع ينبض فجأة.
قال رضوان وهو بيقرب صوته:
— نسيت كل ده، يا علي؟
ولا…هتكمّل؟
مدّ علي إيده وقال:
— هات الكارت.
قال رضوان:
— مش قبل ما تثبتلي إنك هتستخدمه صح ولا لا.
وهنا اتبدّل علي، وصوته هز أرجاء المشفى:
— الكاااارت… بقوللللك!
ارتعب رضوان.
وفي اللحظة دي فهم إن علي اللي واقف قدامه هو اللي هو عايزه فعلًا.
مدّ له الكارت.
قال رضوان بسرعة:
— مش عايز تعرف جبته إزاي؟
علي كان بيبصله بصمت قاتل.
قال رضوان:
— من قبر الظابط نفسه…
اتعمد يحطه هناك علشان محدش يلاقيه.
عرفت من مراته — اللي إنت روحتلها قبل كده —
إنه كان مأكّد عليها إن قبره مايتفتحش لحد غيره.
وده كان غريب…
لأنه عمل قبر خاص ليه، مش حتى مدافن عيلته.
التفت علي ومشي،
ورضوان بيبصله وهو بيبعد،
وعلي ما سألش حتى عن الطريقة.
في اللحظة دي جه مالك،
وقابل علي في الممر.
قال له بقلق:
— رايح فين؟
لكن علي قال:
— خليك مع وعد.
بصله مالك، فهم إنها وصية وأمانة.
هزّ راسه موافق، وعلي مشي ناحية الخارج.
فضل مالك باصص لرضوان…
نظرة فيها فضول وفيها ترقّب لحاجة كبيرة جاية.
خطا ورا علي، لكن صوت رضوان وقفه:
— مااالك!
وقف مالك مكانه.
قال رضوان بحدة:
— إياك تلحقه.
رد مالك بهدوء ثابت:
— رضوان بيه… علي بس هو اللي بيديني أوامر من ساعة ما اشتغلت معاه.
أنا آسف، مع احترامي ليك.
كان انتماء مالك في البداية لرضوان،
هو اللي شغّله وهو اللي رشحه لعلي،
لكن مع الوقت…
اتكوّنت بين مالك وعلي علاقة تانية:
وفاء، وثقة، وشبه صداقة.
رضوان كان فاكر إن مالك هيفضل تابعه المطيع،
ما كانش متوقع إن السحر ينقلب على الساحر،
وإن علي يعتمد عليه كأنه نفسه…
لدرجة إنه يوصيه على وعد،
اللي حتى رضوان نفسه — خالها —
علي ما كانش بيذكر اسمها قدامه.
قال رضوان وهو بيبص لمالك ببرود:
— علي هو اللي اداك الأمر… مش أنا.
مش سمعته بيقولك تفضل مع وعد؟
سكت مالك فعلًا…
عارف إنه ما ينفعش يمشي.
بصّ لرضوان وقال:
— علي راح فين؟
قال رضوان:
— راح يعرف تفاصيل قضيته المجهولة.
اتسعت عيون مالك:
— إديته الكارت؟!
قال رضوان ببرود:
— لو كنت سيبته أكتر من كده مع عذابه، كان علي نسي انتقامه.
قال مالك بحدة:
— علي، زي ما قولتلك، عايش عشان ينتقم.
أنا اللي بمنعه، أنا اللي عايزه يعيش بعيد…
مش يعيش عبد مهووس.
ابتسم رضوان ابتسامة غامضة وقال:
— إنت عارف أنا وافقت أساعد علي ليه يا مالك؟
أنا اللي عايز.
استغرب مالك.
كمل رضوان:
— علي عارف إني عايز أدمّر بدران،
وهو كمان عايز يدمّره معايا،
لأنه واحد من اللي أذوا أخته.
— زمان، لما علي كان هيعمل غلطة كبيرة،
أنا اللي منعته…
مش رحمة،
لكن لأن اللي كان هيعمله كان هيضيع كل حاجة،
وبدران كان هيكسب.
— فقررت أكسب علي…
وأستخدمه لصالحّي،
وفي نفس الوقت أساعده يدمّر بدران.
قال مالك:
— ليه بتكره بدران؟
ردّ رضوان بنبرة مظلمة:
— معاه حاجة كان المفروض تبقى ملكي… مراته رانيا.
اتصدم مالك:
— إنت بتساعد علي عشان تدمّره علشانك إنت؟!
ابتسم رضوان:
— لما عرفت إنك ابن أختي اتفاجأت… ما توقعتش إن يجمعنا دم.
مش كده؟
قال مالك بحذر:
— عايز تقول إيه؟
اقترب رضوان خطوة:
— علي شبهّي…
فيه نفس نبضة الشر اللي جوايا.
بس الفرق إنّي أنا وبدران حقودين…
إنما علي عدو حقيقي.
سكت مالك.
كمل رضوان:
— هو شبهّي في القوة والإصرار…
يمكن أكتر.
أنا شايف فيه اللي إنت مش شايفه.
مشي رضوان خطوتين، وبعدين وقف جنبه وقال:
— اتفرج كويس…
وشوف علي الحقيقي.
قال مالك:
— وإيه اللي ممكن يحصل؟
قال رضوان بابتسامة باردة:
— إعلان حرب.
علي… وأنا داعمه بكل ثروتي.
سابُه ومشي.
بقى مالك واقف لوحده في ممر المستشفى…
مجمّد.
******
مع ليل السماء المبهت
فى فيلا علي، وقف رجاله على الباب كأنهم حراس لمعلمهم. أول ما شافوه، كان علي لابس بدلته اللي من يوم كتب كتابه، القميص الأبيض اتبهدل وكرمش من كتر ما قعد فى المستشفى، لكن جسده المعضل كان لسه متناسق، والهيبة باينة عليه فى وقفته.
دخل على الفيلا بخطوات سريعة وكأن الزمن بيجري وراه، ومش قادر يضيعه لحظة. قعد على مكتبه
، وراجل من رجاله قرب منه اللاب توب وحط على المكتب فلاشه صغيرة
، دخل فيها الكرت وحطه فى الاب توب
. على الشاشة اتفتح ملف واحد فى القائمة، مكتوب عليه: الملف الأسود.
قلبه بدأ يدق بسرعة، دماغه كلها تركيز، دخل على الملف بكل قوة عشان يعرف مين المجرم اللي ورط أخته. أول صفحة ظهرت قدامه كانت ملف تعريف كامل لبدران، وصورته واضحة قدامه.
********
ثوانى...دقائق..ثم سعات... ثم يوم
يوم قد مر بهدوء خفي
فى المستشفى، كانت وعد نايمة على سريرها، قلبها بينبض باستقرار وهدوء، وكأنها مش مدركة لكل الحرب الأهلية المشتعلة حوالينها. الممرضة كانت واقفة جنبها، بتراقبها وتهتم بيها بهدوء.
جو رأس وعد كان مليان أحداث وخيمة، صور وذكريات كتير بتظهر قدامها كوابيس: حوادث، حرب مشتعلة، ولحظات صعبة ما تعرفش تتعامل معاها. فجأة، وعد فتحت عينيها وبصت للسقف، معلنة عودتها على أرض الواقع.
الممرضة شافت فتح عينيها، قامت بابتسامة وقالت لها: «فوقتي». وعد بصت لها، كانت غريبة عنها ومش متوقعة تشوف حد تاني، الممرضة قالت: «هبلغ الدكتور» وخرجت.
وعد بصت حوالينها كأنها غريبة على المكان، مش فاكرة حاجة غير وش علي الأخير اللي شافته وهو بيبكي، وبتلفظ أنفاسها الأخيرة بين إيده. كانت فاكرة إن دي النظرة الأخيرة، مش عارفة إزاي وامتى اتنقلت للمستشفى ولحقوها وعاشت.
بصت على إيدها، كانت متجبسة، ولا يزال أثر الوقعة مأثر عليها، وكانت لسه مريضة وضعيفة، لكن عينيها مليانة وعي وارتباك من اللي حصل.
وعد لفتت نظرها ولحظت شخص واقف عند بلكونة الأوضة. للوهلة الأولى، ركزت على طوله وقوامه القوي، لكن لما لف وشه، شافته كان مالك.
دخل فجأة، وقف قدامها لما شافها فاقت وعينيها مفتوحة. قال بصوت هادي:
«كنت بحسب الغيبوبة هتطول أكتر من كده… ألف سلامة على حضرتك».
وعد لم ترد، وبعدين قرب منها مالك وقال:
«الدكتور قال إن حالتك بتتحسن، نومك كان هيكون أفضل من الأحداث اللي هتحصل وتشوفيها».
وعد بصتله وقالت: «أحداث إيه؟»
قال مالك بابتسامة خفيفة: «مش لاحظة غياب علي؟»
قالت وعد: «المفروض أتوقع يكون معايا».
رد مالك: «هو فعلا كان معاكي، ولا زال معاكي، لأنه حاططني هنا كعين ليه».
فى اللحظة دي، جه الدكتور وقاطع حديثهم، لما شاف وعد قال لها:
«خير، إنك صحيتِ. أهلا بيكي من تاني للحياة، اتكتبلك عمر جديد».
كانت وعد صامتة، والعينين شاحبتين من التعب والمرض. فحصها الطبيب وسألها شوية أسئلة عن اسمها وحياتها، خوفًا تكون ناسية أو فقدت جزء من ذاكرتها، لكنها كانت ترد بإيماءات بسيطة أو كلمات قصيرة.
بعد شوية، سبها الدكتور والممرضة وخرجوا، ولسه مالك كان على وشك الخروج، لكن وقفته وعد وقالت: «فين…» رفعت عينيها وأضافت بصوت ضعيف: «علي فين؟»
مالك تنهد وقال بهدوء: «لو معرفتيش، هيكون أفضل، مدينيش صلاحيه أقولك».
وعد عيط، ومالِك بصلها بحزن، كانت عينيها مليانة خوف وارتباك. قال لها: «اسمها تاني… ناداني بمنى».
وعد بصت له بعين ضعيفة من المرض، لكنها حاولت تثبت قوتها، وقالت: «مين منى؟»
رد مالك بهدوء لكن بحزن: «كان خايف يخسرك أوي».
قالت وعد بمرارة: «عشان كده سابني لوحدي وخدعني وراح يتجوز».
ابتسم مالك ابتسامة حزينة وقال: «علي مجبر يعمل كده عشان هدفه، لكنه حبك بجد».
قالت وعد بارتباك وغضب: «هدف إيه؟!»
عينيها ابتدت تدمع وقالت: «لو أنا مش فرقت له، ليه حط فاطمة معايا عشان مكنش لوحدي… مين الكداب ومين اللي لحقني؟»
كانت كلماتها مليانة خوف وغضب، وذكريات اللحظات اللي فيها بيرتجف وهو بيترجاني رجعت تهاجمها. رفعت عينها صوب مالك وقالت: «مين علي؟»
مالك مردش، اكتفى بس إنه طلع ورقة مطوية من جيبه وفردها قدامها. كانت جرنال قديم أوي، وعد عرفت إنه من التاريخ، لكنها بصت لمالك باستغراب.
قال لها مالك: «اقرأي اللي مكتوب».
وعد بصت على الصفحة المفتوحة قدامها، وشافت صورة أبيض وأسود، شبه أحداثيات الجرائم: صورة بنت مرمية جنب مكب زبالة، هدومها متقطعة، وجسدها متعرّي. مكتوب تحتها:
"ومع تضامن القضية التي أثارت جدلاً حول اختفاء الفتاة من السجن، تم استكشافها قرب مكب القمامة. وقد تعرضت لمحاولة اغتصاب عنيفة من قبل ذئاب بشرية، وتم نقلها إلى المشفى مع سبق إصرار التحقيق."
قلب وعد انقبض فجأة، شعرت بقشعريرة بتجري في جسدها وهي بتقرأ الورقة، خصوصًا لما شافت الصورة اللي التقطها الصحفيين لتلك الجريمة.
سألت وعد بصوت مرتعش: «إيه علاقة علي بده؟»
قال لها مالك بهدوء: «البنت دي اسمها منى».
افتكرت وعد الاسم اللي نطقه غصب عنه مالك، لكنه ظل يرجع عليه، لكنها كانت ذكية وعلّقته في ذهنها. بصت له وعد باهتمام، وحاولت تفهم المعلومة الجديدة.
قال مالك بهدوء: «منى دي تكون أخت علي الكبيرة».
وهنا كانت صدمة وعد الأكبر في حياتها. قالت بارتباك وخوف: «أ…أخته… علي كان عنده أخت؟!»
رجعت وعد تبص في الجرنال، مش قادرة تصدق: «مستحيل… معقول تكون دي؟»
مش قادرة تستوعب إزاي هذه الفتاة تكون أخت علي، خصوصًا إن وجهها في الصورة مش ظاهر وكأنها مشوهة.
سكتت وعد، وقلبها مقبوض، وعارفة إن اللي هتسمعه بعد كده هو الحقيقة اللي مستنياها ومش عايزة تصدقها.
قالت وعد بصدمة وارتباك: «علي…»
ولع مالك سيجارته، ودخانها بدأ يملأ المكان. قال بهدوء لكنه شديد التأثير:
«علي كان بيدور على القضية دي من سنين، ولقى مفتاحها أول امبارح… وده السبب اللي خلاه يمشي من هنا ويسيبك».
بصت له وعد بعينين مليانين فضول وخوف، وسألته: «علي فين؟»
رد مالك وهو ينفث الدخان من فمه: «راح يجيب حق أخته من اللي أذوها… حد أهدافه حاليا، وهو في طريقه ليهم».
ارتبكت وعد أكتر، وسألته: «طريقه لمين بالظبط؟»
ابتسم مالك ابتسامة حزينة، وقال ببطء: «طريقه للانتقام من بدران… أبوكي
فى قاعة عالية وفخمة، مليانة شاشات عرض كبيرة، تعرض أحداثيات أسواق مالية عالية جدًا. المكان كان كأنه الصحافة ملأت كل زاوية فيه، وأهم رؤساء وصحاب شركات البلد موجودين اليوم، في حفلة افتتاح الموسم لشركة تتحول لمؤسسة دولية تابعة لمصر عالميًا.
كان بدران من ضمن الحاضرين، ومعاه يوسف ومحمود اللي يعتبروا درعه اليمين في كل حاجة، وبرفقته حراس البودي جارد. بدران كان بيدخن سيجارته الفخمة والغالية جدًا، ومالك مركزه واضح قدام الكل، كأنه بيتابع كل حركة.
ابنه قاعد جنبه وقال: «هتنتهى على أي يبابا؟»
رد بدران ببرود: «لسه معرفتش علي فين».
قال يوسف: «لا، ثم هنحتاج منه أي حاجة».
بدران ضحك بخفة وقال: «بطل غباء يا يوسف… علي أكبر مساند لينا من ساعة آخر أزمة».
قال يوسف: «أنا شايف الكل كان متوقع نوقع، ومنحضرش… فحضرنا وعملنالهم رعب».
بدران نظر حوالين القاعة، وابتسامة خفيفة على وشه وقال: «عدم وجود علي… هو عدم وجود الهدف».
قال يوسف بارتباك: «مش فاهم… هو عامل أزمة أوي كده وإحنا معتمدين عليه».
ابتسم بدران ابتسامة هادئة، وقال ببرود: «أنا مبعتمدش على حد… لكن علي، شركته المساندة لينا النهارده، عدم حضوره ده لحد ذاته وقوعنا».
سطت يوسف على بدران ببصه قوية، ورد بدران بحزم: «علي لازم يحيي، وإلا ملهاش لزوم وجودنا هنا. بما إن الداعم الأكبر مش موجود، على أساسي النهارده يكون هنا جمبي. انت عارف إن أنا وعلي معروفين بأننا واحد… ثنائي يتقال عليه لا يقهر».
قال يوسف بتساؤل: «بابا… انت ليه بقيت تعتمد على علي بس، وكأنك متكملش من غيره؟»
سكت بدران، ونظر إلى ابنه وكأن يوسف استوعب الأمر، لكن الحقيقة إن يوسف لسه مش مدرك مدى أهمية وجود علي في كل الحسابات والخطط.
فى الوقت نفسه، بدأ مذيع الحفلة، وهو وزير عالي، يتحدث:
«فرحان بوجود السادة المشرفين على دولتنا، ومخلينا فى مكانة عالية دايمًا بسبب إدارتهم الرفيعة».
صفقوا له على كلامه الترحيبي، ورجع يقول:
«هنا على الشاشات دي هتظهر أسهم كل شركة، وأعلىها، واللي اتخطت حدود الغرب، هتبقى دي المؤسسة اللي اخترتها دولتنا».
نزلت شاشات عرض كبيرة، وكل واحد في القاعة أصبح منتظر ظهور أسهمه، مشدود النظر، مشاعر القلق والفخر متداخلة.
فى اللحظة دي، اتفتح باب القاعة، ودخل شخص بخطوات هادئة وجامدة، مريبة. التفت له الجميع، لأنهم عارفين كويس مين ده.
بص بدران، وانفاجأ لما لقاه… على.
يوسف بصله بدهشة وقال: «أخيرًا!»
ابتسم بدران، كأنه لقى قطعة ناقصة من خططه، وقال: «اتأخرت ليه يا علي؟»
على كان عينه فى عين بدران، وقف عنده وهو بيبصله، وقال جملة واحدة فقط:
«اللعبة خلصت».
الوزير بنفسه نزل وسلم على علي وقال: «قالوا إنك اتنازلت عن الدعوة، رغم إن شركتك انت وبدران مرشحين كبار لها… يلا، هنبدأ العرض فى حضورك».
الوزير رفع إيده، بيشاور على عمال الحفلة، لكن محدش استجاب لصقفته. استغرب الوزير، والشاشات متعرضتش. قال الوزير: «في إيه؟»
بعدها، على سار بخطوات واثقة ناحية المسرح وقال: «جه وقت العرض الحقيقى ».
علي طرقع بأصبعه وفجأة اتفتحت كل الشاشات على صور لجثث مرمية فوق بعض. اتسعت عيون الجميع، واستغربوا جدًا من المشهد المفاجئ والمروع.
فى الشوارع المحلية، الحكومة كانت تترأس ظهور العرض الدولي. أول ما اتوصل البث المباشر، فتحوا الكاميرات، وظهرت الصور على الشاشات الكبيرة.
فى الشوارع، وعلى الكريكات، وحتى فى المول، الناس وقفت مذهولة من الصدمة. الأطفال خافوا، والكبار وقفوا قدام الشاشات مستغربين، غير قادرين على تصديق المشهد اللي اتعرض فجأة في شوارع عامة وفي مكان عام.
أصوات جوه القاعة بدأت تعلو: «إيه ده؟ مين دول؟»
الصورة اتحولت للكاميرا، وظهر على على الشاشات، في القاعة وخارجها، حتى في البث المباشر على كل مكان في الدولة.
فى القاعة، قال يوسف بدهشة: «في إيه واي ده؟»
بدران كان ساكت، لكنه عيونه كانت مركزة على الصور. محمود، مساعده، خرق عينيه كأنه يعرفها.
فى المستشفى، كانت وعد منزلة وشها، عيناها حمراء كالدم، مليانة دموع، وكأنها سمعت فاجعة قادره تقتلها، مش قادرة تتحملها. مالك جالس قدامها بعد نقاشهم اللي كشف الحقيقة المخفية.
فجأة، جه صوت من شاشة التلفزيون، وظهر عرض الحفلة على الهواء مباشرة، وظهر علي على الشاشة، وقال:
«النهارده هفتح معاكم ملف القضية السوداء…»
رفعت وعد وشها فورًا لما سمعت صوته، وعيونها مثبتة على الشاشة. قال علي وهو ينظر لبدران:
«قضية هشن بيها حرب… على الدولة ذات نفسها..انا على خليل الشافعى اكبر عدو حقيقى ليكو».
نزلت دمعة من عين وعد، وقالت بهمس متقطع: «علي…»
بين الحب والانتقام
