رواية بنات ورد الفصل الثالث 3 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز
براعم الحب❤️ (3)
بدأت تلك الرحلة هادئة، تشق سياراتهم الطريق نحو تلك المدينة البعيدة. كان الحماس يتملك الجميع، فهذه الرحلة هي سلاحهم لهزيمة روتين الحياة الممل.
تعالت أصوات التصفيق والأغاني الحماسية داخل سيارة الفتيات؛ حيث قررت قمر وأحلام ومليكة الركوب مع "فارس" و"شمس"، اللذين شاركا الفتيات حماسهن في البداية، قبل أن يبدأ الهدوء بالتسلل كلما طال الطريق.
ـ "بابي.."
قالتها قمر وهي تنحني للأمام، تلمس كتف والدها برقة.
ـ "أيوه يا روحي؟"
ـ "هو فاضل قد إيه ونوصل؟"
مسح فارس حبات العرق التي بدأت تتكون على جبهته رغم اعتدال جو السيارة، وقال بتعب حاول مواراته:
ـ "لسه يا روحي، قدامنا ساعتين."
زفرت أنفاسها بتذمر متعجبة: "يااااه.. ساعتين كتير!"
لمحت شمس علامات الإرهاق التي بدأت ترتسم على وجهه تدريجياً. مدت يدها تلتقط قنينة الماء، فتحتها وقربتها منه وعيناها تشمله بنظرة قلقة:
ـ "حبيبي اشرب شوية.. شكلك تعبان."
التفت نحوها راسمًا ابتسامة هادئة ليطمئنها وهو يلتقط منها الماء: "أنا كويس يا حبيبتي ما تقلقيش."
لم تقتنع بكلامه، فاقترحت بمحاولة للتخفيف عنه: "ما تخلي حسين يسوق مكانك المسافة اللي باقية يا فارس؟"
هنا حبست "قمر" أنفاسها خوفاً من أن يقبل والدها العرض؛ فهي لا تطيق تحمّل حديث ابن خالتها "حسين" التافه ومزاحه الممل طوال الطريق. لكنها تنفست الصعداء حين حرك والدها رأسه بالرفض، وقال يمازح زوجته وهو يعيد لها القنينة:
ـ "إنتي بتستهيني بقدرات جوزك يا دكتورة؟"
ابتسمت شمس ابتسامة باهتة تخفي قلقها، ليمد يده ويمسك يدها ضاغطاً عليها برقة، مغمزاً لها بعينيه بينما يراقب الطريق بحذر: "طول ما إنتي جنبي ما تقلقيش عليا."
احمر وجه شمس خجلاً وهي تلمح همسات الفتيات وضحكاتهن المكتومة، فحاولت تشتيت الانتباه بسؤالهن: "جعانين يا بنات؟ أنا جايبة معايا شيبسي وعصير."
بدأت توزع عليهن أكياس المقرمشات، واندمجت الفتيات سريعاً في أحاديث الموضة والأزياء. استغلت شمس انشغالهن واقتربت من فارس تهمس له بتنبيه:
ـ "فارس.. خلي بالك يا حبيبي البنات معانا."
قطب حاجبيه مدعياً عدم الفهم، وأمسك يدها مرة ثانية يرفعها نحو فمه ليقبلها بعناد وسط دهشتها، سائلًا ببرود: "أخلي بالي من إيه؟"
هزت رأسها بقلة حيلة: "مفيش فايدة."
قهقه فارس على امتعاض وجهها، فابتعدت عنه قائلة بضيق مصطنع: "تشرب قهوة؟"
حرك حاجبيه بعبث: "نشرب من إيدك الحلوة يا جميل."
سكبت له القهوة التي أعدتها مسبقاً، ثم توقفت فجأة كأنها تذكرت شيئاً: "بس إنت ما أكلتش حاجة، كدة غلط على صحتك.. ثواني."
بحثت في حقيبتها حتى أخرجت عبوة بسكويت مملح، فتحتها بأسنانها ودست قطعة في فمه على حين غرة. تفاجأ فارس وهو يسلط نظره على الطريق، وقضمها بسرعة ليتناثر الفتات على ثيابه وفي حجره.
التفت إليها بحنق طفولي، فابتسمت تحاول امتصاص غضبه وهي تقدم له الفنجان: "قهوتك يا حبيبي."
أشاح بوجهه نحو الطريق بامتعاض أربكها، فاقتربت تلملم ما تناثر من فتات على ثيابه برفق، ثم قربت الفنجان مرة أخرى قائلة بنبرة "رسمية" اعتادت استخدامها حين لا يرضيها تصرفه:
ـ "قهوتك يا فارس باشا."
فهم الرسالة فوراً، فمد يده يلتقط القهوة يرتشفها بروية، بينما يختلس النظر إليها ليجدها قد استندت إلى ظهر الكرسي تتطلع من النافذة بصمت. لم يتحمل هذا الهدوء طويلاً، فتنحنح محاولاً جرّها للحديث:
ـ "ممكن ميه يا مشمش؟"
أخفت ابتسامتها؛ فهي تعلم ما يرمو إليه. مدت يدها بالقنينة دون أن تلتفت نحوه، فأغاظه تصرفها. أمسك يدها والقنينة معاً وجذبها برفق لكن بقوة جعلتها تنتفض وتلتفت إليه مجبرة.
اختطف نظرة سريعة إليها وأمرها بصوت منخفض: "قربى.. عاوز آكل بسكويت بس إيدي مشغولة زي ما إنتي شايفه."
أشار بعينيه نحو المقود، فاقتربت على مضض وأخرجت قطعة بسكويت أخرى تدسها في فمه. همس لها وعيناه لا تفارق الطريق: "قربي أكتر."
لاصق كتفها كتفه، فقالت بتأفف وهي تراقب الفتيات اللواتي انشغلن بهواتفهن: "كدة كويس يا باشا؟"
ابتسم وأمال رأسه يسنده على رأسها لثوانٍ هامساً: "بحبك."
بادلته الابتسامة وسندت رأسها على كتفه قائلة بعتاب ناعم: "وأنا كمان بحبك يا ابن الجوهري.. بس كبرت يا فارس وبقيت تتعصب بسرعة."
رد بعبوس مستنكر: "كبرت؟ ماشي.. مقبولة منك يا دكتورة."
ضحكت وهي تحتضن ذراعه لاسترضائه: "وكبر حبنا كمان يا روحي."
في الخلف، كانت مليكة تري أحلام أحد برامج الذكاء الاصطناعي الخاصة بدراستها، حين اهتز هاتف أحلام برسالة.. تلك الرسالة التي كانت السبب في هروبها من سيارة والديها.
ابتعدت أحلام عن مليكة، واستندت بكتفها على النافذة تقرأ بابتسامة تلقائية:
"صباح الخير يا لوزة.. أخبار الرحلة إيه؟ أكيد ملهاش طعم من غيري."
ردت محاولة إغاظته: "حلوة أوي أوي."
كتمت ضحكتها وهي تتخيل ملامحه، ليأتيه الرد سريعاً:
"حلوة أوي؟ طب انبسطي يا أحلام، وما تنسيش تبعتيلي صورة عشان إخواتي الخونة رفضوا."
ـ "ماشي هبعتلك صور أول ما نوصل."
ـ "تمام.. خلي بالك من نفسك يا أحلام."
شردت أحلام في جملته الأخيرة، وتذكرت حديث والديها الذي استمعت إليه خلسة. "شريف" هو ابن عمها وصديقها، وهي لا تفهم سبب قلقهم من تواصلها معه. تنهدت في حيرة، متسائلة: هل هي المحقة أم هم؟
********" "" ********************
أما في السيارة التي تسير بجانبهم، كان الهدوء الممل يخيم عليها؛ فحسن الذي تولى قيادة السيارة كان قليل الحديث، يصب تركيزه على الطريق، أو هذا ما كان يظنه والده الجالس بجانبه يمسك هاتفه يتصفحه، أما والدته فكانت تفضل الصمت ومطالعة الطريق خشية الكلام وتشتيت انتباهه.
يده التي كانت تقبض على المقود بقوة حتى ابيضت مفاصله كانت الوسيلة الوحيدة التي يخرج من خلالها انفعاله وذلك الصراع الناشب داخله، وكأنهم اتفقوا عليه؛ فهو لم يشفَ بعد من قصة وليد وتلك الفتاة، ليأتيه ذلك العامل في المصنع "جلال" الذي أخبره أن سبب انفصاله عن زوجته هو خيانتها له مع أحد الشباب في إحدى المواقع الإلكترونية، ليزيد ذلك من الأفكار المظلمة التي أصبحت تحرق تفكيره وروحه.
تلك الخطوة التي كان يود الإقدام عليها أصبحت اليوم حملاً ثقيلاً، فكم تمنى أن يتزوج ويصنع عائلة في هذا السن، لكنه اليوم يقف أمام عبء ثقيل؛ اختياره لزوجة المستقبل. أين سيجد فتاة بلا ماضٍ؟ فتاة نقية يكون هو أول شخص في حياتها، فتاة "خام" كما يسميها. زفر نفساً قليلاً وأغمض عينيه لثانية رغم نور الشمس الذي يضربها، يشعر أنه يعيش في ظلام. زادت قبضة يده على المقود كلما زاد ذلك الصراع داخله وعقله يخبره: "لو خُليت خُربت"، فمن المؤكد أن هناك فتيات نقيات، ليعود ويدس له السم وهو يناقض هذه الفكرة يسأله: أين سيجدها؟
اختنقت أنفاسه ليمد يده ويفتح النافذة بجانبه، فاندفع الهواء بقوة نحو الداخل، ليأخذ نفساً عميقاً عله يطفئ تلك النار الناشبة داخله. اندفاع الهواء نحو الداخل جعل علي وهدى يلتفتان نحوه بفزع، ليسأله علي مستنكراً فعلته:
"التكييف مش شغال يا حسن؟"
مد يده مرة أخرى وأغلق النافذة يبرر لوالده فعلته:
"معلش يا بابا كنت عاوز أغير جو العربية شوية."
زم علي شفتيه بتعجب وعاد يركز في هاتفه بعد أن التفت يطمئن على هدى التي ابتسمت له هي أيضاً وعادت تطالع الطريق بهدوء.
لكن هذا الهدوء لم يدم طويلاً بعد ما قال حسن:
"بابا، كنت عاوز أكلمك في موضوع لوكا."
رفع علي عينيه عن هاتفه والتفت إليه بفضول، وكذلك هدى التي انتبهت وبدأت تصغي بترقب لحسن الذي استرسل:
"لوكا يا بابا أنا شايف، مع احترامي لحضرتك، إنكم مدينها مساحة حرية كبيرة وهي لسة صغيرة، مرحلة أولى كلية الطالب فيها بيكون منبهر بكل حاجة، فأنا شايف إن لوكا لازم يتحط لها حدود."
تجهم وجه علي وقال بجمود:
"أختك متربية يا حسن وعارفة حدودها."
نبرة والده الحادة أصابته بالتوتر، لكن هذا لم يمنعه من إكمال حديثه وعينه تتنقل بين والده والطريق:
"يا بابا أنا عارف، بس هي لسه صغيرة، أنا مش خايف منها أنا خايف عليها من الناس والمجتمع، من النت والمواقع والميديا."
اندفعت هدى نحو الأمام تقلل المسافة بينها وبين ولدها، تهدئ من خوفه على شقيقته:
"ما تخافش يا حسن، لوكا بتحكي لي كل حاجة ومش بتخبي عليا حاجة من الناحية دي، اطمن."
ثم وجهت نظرها نحو علي لتلتقي عيناهما في لحظة جمعت ما بين القلق والثقة، ربما حديث ولدهما ضرب وتراً حساساً في نظرتهما للمجتمع، لكن علي رفض التشكيك في القيم التي وضعها نصب عيني ابنته، ليترك هدى في حيرة وينقل نظره نحو حسن:
"أنا عندي ثقة فيها، لوكا مش هتخيب ظننا ولا ثقتنا وهتعرف تتصرف."
أسرعت هدى تؤيده:
"أيوه، دي بتنتقد زمايلها لما بيتكلموا في الحاجات دي."
تنهد حسن بيأس؛ فوالداه لم يستطيعا فهمه ولا الاقتناع بكلامه، فآثر الصمت على المواصلة في هذا النقاش.
***********"" "" **************
أما في سيارة سيف، فكان النقاش محتدماً ما بين أصيل الجالس في الكرسي الأمامي بجانب سيف، وحسين الجالس في الكرسي الخلفي.
"يعني أنت عاوز تفهمني إن الخيل ممكن ترفضك حتى لو متروضة؟"
سؤال طرحه حسين، ليسند ساعديه على حافتي المقاعد الأمامية بعدم تصديق، ليجيبه أصيل المستدير بنظره نحوه يتكئ بكتفه على ظهر المقعد:
"يا ابني آه، الخيل حساس جوي وبياخد وقت عشان يتقبل الشخص اللي هيركبه."
مد حسين شفته نحو الأمام ورفع حاجبيه ليقول متعجباً:
"غريبة، سبحان الله."
ثم أردف يلوح بخيبة أمل:
"وأنا اللي كنت عامل حسابي أركب خيل."
ضحك أصيل وسيف على حديثه، ليعيد له أصيل الأمل عندما أخبره:
"ما أنت ممكن تركب خيل، هو أنت محتاج شوية تدريب والخيل ياخد عليك."
اتسعت ابتسامته يسأله بلهفة:
"بجد يا أصيل؟ طب ودي تاخد وقت قد إيه؟"
حرك أصيل يده كما تحركت حدقتاه وهو يخمن له تلك المدة:
"يعني ده يعتمد على شطارتك وتقبل الخيل زي ما جلت لك جبل سابج."
ضرب حسين على ساعده يخبره متفائلاً:
"إن شاء الله هقدر بسرعة."
"بلاش تهور يا حسين، الوقعة من ظهر الحصان مش هينة."
هتف بها سيف ينهره بنبرة متعقلة وصوت رزين عندما أبصر حماسه الزائد، ليؤكد أصيل حديثه:
"كلام سيف صح يا حسين."
تنهد بيأس يرمقهم بانزعاج وخرجت كلماته متذمرة:
"يعني لازم تنكدوا عليا، بلاش الفأل الوحش ده."
ثم مط شفتيه باستياء يشير بسبابتيه نحوهما:
"أنتوا الجوز كتلة تشاؤم تمشي على الأرض على رأي شريف."
هز سيف رأسه بقلة حيلة وقال يؤنبه:
"إحنا بنتكلم عشان مصلحتك، أصلي عارفك متهور."
"متهور؟"
هكذا كرر حديثه يستنكره بحنق، قبل أن يعتدل في جلوسه ويتطلع نحو الطريق يتجاهل نصيحته أو الرد عليه.
أصيل الذي شعر بالحرج وخشي أن يكون حسين قد تضايق، وزع نظره بين الاثنين واعتدل ليلتفت نحو سيف الذي خطف نظرة نحوه وابتسم يطمئنه بإيماءة منه، ليلتفت هو الآخر يطالع الطريق في صمت.
فقرر سيف مشاكسته كي يندمج معهم من جديد:
"حسين، تعرف الأشهب حصان أصيل؟ طيب ومتفاهم، جرب معاه الأول."
ربع يديه على صدره وعيناه لا تزالان على الطريق وقال مستهزئاً:
"لا متشكر، خلاص إحباطكم دمر حماسي، خليني متفرج أحسن."
التفت له أصيل وقال بدهشة:
"يا رجل لسه كنت بتسابج الزمن، جوام كدة استسلمت؟"
ليحاول سيف إغاظته:
"أهو، هو حسين كدة، بيستسلم دايماً بسرعة."
نظر إليه مستهجناً حديثه:
"ما اسمهاش استسلم، ما بحبش أحارب عشان حاجة وأطلع خسران في النهاية، الانسحاب أحسن من الهزيمة."
"وليه تفرض إنك هتخسر؟ مش جايز تنجح؟"
هكذا حاول أصيل إقناعه، ليلوي شفته بسخط ينظر نحو سيف بنظرات جانبية:
"مش دكتور سيف تفاءل خير وإني هقع وأتكسر عشان أنا متهور؟"
قهقه سيف ضاحكاً والتفت نحو أصيل الذي كان يبتسم ببلاهة ولا يعلم أهم يمزحون أم يتكلمون بجدية.
ليرفع سيف سبابته يهزها قائلاً بانتصار:
"شوف، أهو هو ده السبب الحقيقي، وهو ده حسين الجوهري يا أصيل."
قطب أصيل حاجبيه بعدم فهم، ليكمل سيف بما جعله يبتسم ويلتفت نحو حسين المبتسم أيضاً:
"حسين الجوهري يا دكتور أصيل عنده كرامته خط أحمر، مستعد يخسر أي حاجة لكن كرامته لا."
"إيه ده، طلعت حافظني يا دكتور؟"
ليهز سيف رأسه بزهو:
"عيب عليك، مش ابن خالتي وأخويا؟"
نظر له بامتنان قائلاً:
"تسلم يا دوك."
"خلاص انسى الكرامة المرة دي وأنا يا سيدي هعلمك."
قالها أصيل هذه المرة بحماس ليخبره حسين بامتنان:
"متشكر يا دكتور، كلك ذوق."
****************************
أما في السيارة الأخيرة المشاركة في هذه الرحلة، كانت تجلس تقلب أوراق روايتها بهدوء، تتنقل عينها بين حروفها بشغف ينعش أنفاسها عبق الورق، تتقصى تلك المشاعر التي تعيشها مع أبطالها بعد أن تكلل حبهم بالزواج، لتبتسم كما ابتسمت بطلة الرواية وخيالها يرسم صورة أخرى؛ صورة حبيبها الذي لا دراية له بها، هي وحدها من تعيش في هذا الحلم كمغيبة، تستمتع بتلك المشاهد الوهمية التي ينسجها عقلها ويخفق لها قلبها.
تشنجت رقبتها لترفع رأسها عن الكتاب تحركها يميناً ويساراً تحاول التخفيف من ألمها. لمحها والدها من مرآة السيارة ليهتف يلومها:
"مش قلنا القراءة في العربية غلط؟ شوفتي أدي رقبتك وجعتك وهتصدعي كمان."
ابتسمت ابتسامة باهتة تحاول تهدئته، فهي تعلم صدق حديثه، لكن عنادها وعشقها لقراءة الروايات جعلها لا تنصت لنصيحته.
لتنضم له والدتها تؤيد كلامه:
"ما فيش فايدة يا حبيبي، أهي هي كدة من ساعة ما تخرجت، يا تلاقي عينيها في وسط الروايات أو ماسكة لابتوب وبتكتب."
وأردفت مستهزئة تلتفت نحوها ترمقها بنظرة خاطفة:
"عاوزة تكون كاتبة يا سيدي!"
تنهدت ورد بيأس، فوالدتها دوماً توبخها كلما وجدتها تقرأ الروايات أو تكتبها وتنصحها بدراسة الماجستير فهو الأفضل لمستقبلها. احتضنت روايتها بحزن تتمنى لو تفهمت والدتها هوايتها التي تخرج فيها مشاعرها المكبوتة، لكن فجأة صوت والدها الدافئ أعاد لها الأمل عندما سمعته يقول:
"وماله يا ندى لما تكون كاتبة؟ مادام عندها موهبة سيبيها تنميها."
قفزت كطفلة تقترب من مقعده الأمامي وقبّلت خده بفرح:
"حبيبي يا بابا يا اللي مشجعني دايماً."
ضغطت على حروف كلماتها الأخيرة متعمدة، تخطف نظرة نحو والدتها التي تطالعهم باستياء، ليبتسم طارق على فعلتها ويزيد من تشجيعها:
"حبيببي يا وردتي، مالكيش دعوة بماما، اعملي اللي بتحبيه يا روحي."
قالها يغمز لها، لتمد يدها تحتضنه من الخلف وتعاود تقبيل وجنته:
"حبيبي أنت، بحبك.. بحبك أوي."
"وأنا كمان بحبك يا روح أبوكِ."
قالها يربت على يدها الموضوعة على صدره. تنهدت ندى بضيق وقالت وهي تحدق بهم بانزعاج:
"إيه.. ربنا يهني سعيد بسعيدة."
وأكملت تضرب كتف ورد:
"ابعدي عن أبوكِ يا بنتي خليه يعرف يسوق."
ابتعدت ورد عن والدها وعادت تعتدل في مقعدها تكتم ضحكتها بعد أن أغاظوا والدتها كما يفعلون كل مرة، لكن طارق لم يستطع كتمها لينفجر ضاحكاً، ما جعل ندى تقطب حاجبها بامتعاض وترمقه مستنكرة:
"فرحان أنت بالبوس والأحضان وحبيبة القلب؟"
"ربنا يحفظها ليا دي الغالية."
قالها يزيد من امتعاضها، لتشيح وجهها نحو النافذة بحنق جعل ورد تشعر بالذنب لإزعاجها، لتقترب منها تقبل وجنتها بحب تحاول إرضاءها:
"دي ماما ست الكل وحبيبة الكل يا بابا."
لوت ندى شفتها بسخط وقالت مستهزئة:
"لا ياختي، أنتِ حبيبك أبوكِ، سيبناله البوس والأحضان."
عاودت تقبيلها مرة أخرى وقالت لها قبل أن تبتعد عائدة لمقعدها:
"وأنتِ كمان حبيبتي يا ندوش، عديها خلاص."
"متشكرين يا ستي."
قالتها بعدم اقتناع وعيناها تراقبان الطريق بضيق مصطنع هذه المرة، حتى شعرت بلمساته ويده تحتضن يدها بتملك يشد عليها. رفعت عينيها نحوه فالتفت يوزع نظراته بينها وبين الطريق بحذر مبتسماً:
"حبيبتي يا أم زياد يا غالية.. يا اللي ساكنة في القلب ومتربعة."
هكذا كان يراضيها بضمة يده الدافئة التي منحتها الأمان وكلمات حب مسحت على قلبها. ادعت ندى انشغالها بالطريق بعد أن شعرت بالحرج، تترك مساحة لوالديها. كانت مندمجة في مطالعة الطريق حينما اقتربت سيارته من سيارتهم، ليرتجف قلبها وهي تشاهد جلسته المهيبة والمتزنة خلف عجلة القيادة، وازداد ارتجاف قلبها حين التفت فجأة لتلتقي عينها بعينه. ثوانٍ كانت كفيلة في بعثرة مشاعرها لتتسارع أنفاسها وتعتدل في جلوسها، تفتح روايتها بسرعة وتختبئ خلف صفحاتها، تخفي وجهها قبل أن تفضحها ضربات قلبها وعيونها العاشقة.
****************************
وصلت سياراتهم إلى وجهتها لتقف أمام بيت الخالة نعمة الذي خلا من وجودها بعد أن رحلت عن الحياة منذ سنوات قليلة. نزل الجميع من سياراتهم يشعرون بإجهاد كبير بعد مدة السفر الطويلة.
كانت شمس أول من نزل من السيارة يسبقها شوقها لذلك المكان ورؤية فرحة وأولادها رغم أنها لم تنقطع عن زيارتهم. تجمع الجميع أمام المنزل، لتتسرع فرحة وزوجها جابر مرحبين بهم بحفاوة:
"يا أهلاً يا أهلاً، جنا نورت."
تقدمت شمس نحوها تحتضنها، تبعتها قمر ثم شقيقاتها وبناتهن. أما جابر وولده محمد، ذلك الشاب ذو البشرة القمحية والملامح الصعيدية الرزينة، من يراه يشعر أن عقله يسبق عمره بسنوات، اتجها نحو فارس وطارق وعلي وحسن يرحبون بهم قبل أن يدخلوا إلى البيت. توقفت فرحة تمسك بيد شمس تسألها بقلق وعيناها تدوران بين الجميع:
"هو شوكولاتة فين؟ أوعي تقولي ماجاش أزعل منك."
ضحكت شمس على لهفتها لرؤية سيف الذي يملك مكاناً مميزاً عندها وعند زوجها كذلك، لتتربت على عضدها مطمئنة:
"ما تخافيش، راح يوصل أصيل وراجع."
زفرت أنفاسها بارتياح وعاودت طقوس الترحاب بهم، تسألهم عن أخبارهم وتبادلهم أخبار بلدها.
أما الرجال فقد انزووا مع جابر وولده داخل غرفة الضيوف يتبادلون الحديث.
كانت مندمجة في ثرثرتها عندما سمعت صوت سيارته تقف أمام الباب، لتنتفض متلهفة تحرك بصرها بين شمس والباب:
"ده شوكولاتة جه!"
كانت الفتيات يكتمن ضحكاتهن كلما ذكرت لقبه المحبب لقلبها، لتجده يدخل من الباب برفقة ولدها محمد الذي استقبله، لتركض بخطوات سريعة نحوه:
"حبيبي نورت جنا يا غالي."
ولم تكن فرحته أقل من فرحتها ليهتف بترحاب مماثل:
"خالتي فرحة وحشاني."
دمعت عيونها عند رؤيته وتفرست ملامحه بشوق:
"وأنت كمان يا شوكولاتة، إزيك عامل إيه؟"
انفلتت ضحكة من شقيقته بعد سماعها تكرار لقبه، ليختطف نظرة حادة نحوها يزجرها قبل أن يعود نحو فرحة يهمس لها:
"ما بلاش شوكولاتة دي يا خالة، قولي سيف وخلاص."
قطبت حاجبيها رافضة وقالت بلهجة مستهجنة بعد أن ضربت عضده بخفة:
"أنت فاكر نفسك كبرت يا سيف باشا؟ أنت لسه في نظري شوكولاتة."
مط شفتيه باستياء وعاد يهمس لها محاولاً إقناعها:
"أنتِ مش شايفة البت قمر بتتريق عليا؟"
لتردد حديثه متذمرة:
"قمر بتتريق؟ ماشي يا شوكولاتة هبقى أناديك سيف لو افتكرت."
هز رأسه بقلة حيلة قبل أن يجد من ينادي عليه:
"سيف!"
استدار ليجد ذلك الصغير "ساجد" يهرول نحوه، ليحتضنه سيف ويرفعه عن الأرض يقبل وجنته:
"أهلاً يا ساجد، كبرت يا ولد."
ليحرك جسده يحاول التملص منه معترضاً على حمله:
"نزلني يا سيف أنا بقيت راجل."
دهش سيف لحديثه لينزله ويقول معتذراً:
"أنا آسف، تصدق أنت بقيت راجل صحيح وتقيل كمان."
ثم مد له يده برسمية ويرسم الجمود ويقول بجدية:
"أهلاً يا ساجد."
ليمد ساجد يده بجدية طفولية يحاول تقليد الرجال:
"أهلاً يا دكتور."
مسحت فرحة على رأسه ضاحكة وهي تراه يبعد يدها ويهتف بغضب قبل أن يتركها مبتعداً:
"بقولك بقيت راجل ما تعمليش أكدة، وهروح أقعد مع أبوي كمان."
*************************
وفي مكان آخر من قنا، كان هناك استقبال آخر؛ ذلك الشاب يحمل حقيبته على كتفه ويسير مبتسماً يلوح لحرس منزله، ويخطو باتجاه بوابة المنزل التي فُتحت له قبل أن يطرق بابها لتطل منها والدته تحتضنه بشوق:
"حبيبي وحشتني جوي يا ولدي."
بادلها أحضانها ثم قبل رأسها ويديها بحب، لهفته فاقت لهفتها يسألها وعينيه تشملها بتوق:
"كيفك يا أمي؟ أنتِ كمان وحشتيني جوي."
جذبت يده تدخله إلى المنزل بعد أن سارت يدها تتلمس وجنته وذراعيه كأنها تتفقده:
"أنا زينة يا حبيبي... تعالى ده أنا محضرة لك الوكل اللي بتحبه."
وكعادتها لم يتوقف لسانها عن الثرثرة تخبره بما حدث في غيابه، ويجاملها هو بإيماءة وابتسامة بسيطة رغم أنه كان مجهداً من السفر ولم ينتبه للتفاصيل التي تذكرها.
"أصيل!"
هتفت بها شقيقته "سندس" وهي تهرع نحوه وترحب به:
"يا أهلاً يا أهلاً، حمد لله على سلامتك."
"الله يسلمك يا حبيبتي، عاملة إيه؟"
جلست بجانبه ليضمها إليه بحنان وهي تجيبه بفرحة:
"الحمد لله بخير."
ولم يمضِ وقت طويل حتى سمعوا وقع تلك الأقدام الصغيرة تتراكض على الدرج متسابقة للوصول إلى النهاية، ليضحك أصيل وهو يجد أشقاءه الصغار "ياسين" و"آسر" يهرولون نحوه بسرعة يدفع أحدهما الآخر ليسبقه حتى فتح لهم ذراعيه ليرتموا بين أحضانه دفعة واحدة، فيضم الاثنين معاً:
"يا أهلاً يا ولاد، ازيكم؟"
"الحمد لله." قالها ياسين الكبير ليتبعه آسر الأخ الأصغر مقلداً: "الحمد لله."
ضحك أصيل وهو يجد عيونهم معلقة على حقيبته بشغف، ليمد يده يفتحها يخرج لهم الألعاب والحلوى التي اعتاد أن يحضرها لهم، التقط كل منهم هديته ورحل، وسط نظرات "زهرة" الفخورة بولدها الذي يعامل أخويه بحب وحنان، ذلك الحنان الذي ورثه من والده.
وعلى ذكر الأخير، سمعت حمحمته الخشنة وهو يطل عليهم من باب المنزل بهيبته ووقاره اللذين زادهما شعره الأبيض ورزانته:
"الدكتور وصل... حمد لله على السلامة."
قالها راجح يفتح ذراعيه لولده الذي نهض يقترب منه باحترام يقبل يده ويحتضنه:
"الله يسلمك يا بوي."
ابتعد راجح عنه ونظر إليه مستفسراً:
"أمال الجماعة فين؟"
ضربت زهرة كفاً بآخر وقالت بأسف:
"شوف فرحتي بيك نستني أسألك عليهم."
وزع أصيل نظره بين والديه قبل أن يجيبهم بصوت خفيض:
"عمي جابر أصر إنه يستقبلهم عنده قبل ما يجوا دار الضيافة هنا."
هنا تبدلت ملامح راجح وحدجه بنظرة حادة قبل أن يقول بضيق مستنكراً:
"وأنت إزاي توافق على حاجة زي كدة؟ دول ضيوفك كان الواجب إننا نستقبلهم الأول."
اقتربت زهرة منهم مدافعة عن ولدها الذي توتر من كلام والده:
"معلش يا حج، أنت عارف معزة فرحة عند الدكتورة، وعارف من ساعة ما أمها ماتت وشمس بتعتبرها أختها."
رمقها بنظرة غاضبة أسكتتها:
"أنا بتكلم عن ولدك مش عن الدكتورة دلوقت، إزاي يسيب ضيوفه اللي وصل معاهم يتضيفوا في بيت تاني؟"
همّ أصيل بالدفاع عن نفسه لكن يد أمه استوقفته بلمسة خفيفة تمنعه من الرد، لتجيب هي مكانه:
"يا حج ما أكيد اتحرج من جابر، وبعدين مافيش فرج بينا وبين جابر إن شاء الله."
"زهرة!"
صاح بها ناهراً، فتجمدت مكانها بخوف من غضبه؛ فرغم حنانه لكن غضبه لا يحتمل:
"أنا ما جلتش إن فيه فرج بينا وأنتِ عارفاني بعز جابر قد إيه. أنا بتكلم عن ولدك وتصرفه اللي لازم يحسب حسابه المرة الجاية، سامعني؟"
انتفض بعد أن نطق كلماته الأخيرة بانفعال، ليجيبه مطأطأً رأسه:
"حاضر يا بوي مش هتتكرر."
دفعته زهرة بخفة مشفقة عليه، تنهي توبيخ والده له وهي تقول وعينها مسلطة برجاء نحو راجح:
"روح خد حمام يا أصيل عشان نتغدى."
نظر إلى والده الذي كان يرسم الجمود على وجهه قبل أن ينسحب مغادراً يطيع أمر والدته. ظلت زهرة تتبعه حتى اختفى من أمامها، لتلتفت نحو راجح معاتبة:
"لازمته إيه الكلام اللي قلته وجمهرت الواد؟ ما دايماً شمس وفارس بينزلوا عند فرحة الأول."
زفر نفسه بحنق قبل أن يوليها ظهره ويتجه نحو الأريكة بخطى بطيئة ليجلس بثقل، فتتبعه هي تعاود تساؤلها بعناد:
"واه يا راجح ما جاوبتنيش يعني؟"
التفت نحوها يجيبها ببرود:
"زهرة، أصيل لازم يتعلم الأصول، وما تكونش دراسته الطب هناك تنسيه عوايدنا. بكرة هيكون مكاني يعني كبير من كبرات البلد، لو ما تعلمش مني مين هيعلمه بعد ما أموت؟"
لقاطعته بسرعة تربت على فخذه تمنعه من إكمال حديثه المؤلم لها:
"بعد الشر ما تجولش كدة، ربنا يحفظك لينا يا غالي..." ثم استرسلت تتوسله: "وغلاوتي عندك بلاش السيرة دي."
ابتسم لها يعلم بمدى تعلقها به وكيف منحت تلك السنين الماضية علاقتهما متانة زادت من ترابطهما.
صعد درجات السلم بثقل وصدى حديث والده يتعب قلبه وعقله؛ دوماً كان صارماً في تعامله معه رغم أنه متأكد من حبه الكبير له، لكنه قاسٍ في بعض المرات. استند بيده على سياج الدرج يجر جسده جراً، ليجد من تقف أمامه وتقول مندهشة:
"أصيل، حمد لله على سلامتك."
رفع بصره ليجد شقيقته الصغرى "بسملة" تطالعه بعين منتفخة وآثار النوم لا تزال عالقة في أجفانها:
"الله يسلمك."
ثم أردف متهكماً:
"هو أنتِ لسه صاحية؟"
ضحكت تخبره ساخرة:
"أيوه، هو باين عليه كدة."
هز رأسه بقلة حيلة وقال يتجاوزها:
"أيوه يا كسلانة تلاقيكِ هربانة من الشغل."
قهقهت ضاحكة وعينها تتبعه:
"حبيبي يا خويا اللي فاهمني."
ثم استدارت نصف استدارة تمسك عضده متسائلة:
"جبت لي معاك إيه؟"
تنهد بتعب وأجابها باقتضاب يبعد يدها عن ذراعه:
"ما جبتش حاجة وسيبيني تعبان وعاوز أرتاح."
قطبت حاجبها مستغربة حديثه قبل أن ترفع رأسها كأنها فهمت شيئاً:
"آه.. شكلك جابلت أبويا وخدت درس خصوصي في الأصول."
أدار رأسه نحوها يزجرها بعين حانقة:
"اتلمي يا بت وشوفي حالك."
تركته بلا مبالاة ونزلت خشية الصدام معه. أما هو فدخل غرفته وارتمى على سريره بإرهاق يحدق في السقف ويتساءل: هل هو حقاً أخطأ ويستحق التوبيخ ام والده يبالغ
