رواية بنات ورد الفصل الحادي عشر 11 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز
براعم الحب ❤️ 11
اليوم ليس كباقي الأيام، اليوم سيقلب حياته ويأخذها نحو منعطف مجهول لا يعلم نهايته، لكن ما يخنقه ليس هذا فقط؛ ما يخنقه هو تلك التي سيصطحبها معه قسراً في ذلك الطريق. تلك اللقاءات البسيطة التي جمعتهم جعلته يرسم ملامح شخصيتها بسهولة، كانت واضحة ككتاب مفتوح لم تحتج إلى قاموس لتفسيرها.
رقيقة، بسيطة، جادة، متأثرة بعملها، وتعشق والدتها إلى أبعد حد. وهنا ابتلع غصة مرة خنقت أنفاسه وهو يتذكر تلك السيدة كم كانت سعيدة به، تكرر على مسامعه: "أنت ولدي الذي لم أنجبه"، ولا تزال تلك الوصايا التي تأتمنه عليها أن يحبها ويدللها، أن يعتني بها.
ولا يزال يذكر عندما اختلت به ذات مرة ترجوه أن يعوض ابنتها حنان والدها الذي فقدته مبكراً، وتوسلته أن لا يجعل صغيرتها تعيش ما عاشته هي.
نظر إلى انعكاس صورته في المرآة وهو يضع اللمسات الأخيرة على هيئته المنمقة، ينثر عطره على جسده ويسأل نفسه: كيف ستكون حياته معها وهل سيسعدها وقلبه ملك لغيرها؟ خنقته تلك الفكرة وشعور الذنب يضرب ثنايا صدره، يطبقها عليه حتى كاد يزهق أنفاسه. رفع يده يعدل ربطة عنقه يحاول منح نفسه القليل من الهواء.
سند بكفي يده على طاولة الزينة ليزفر أنفاسه المحترقة، قبل أن يرفع عينيه من جديد يطالع صورته؛ عريس في ليلة عرسه غابت السعادة عن روحه وأطفأ حبه الفاشل فرحته.
وبعد ساعة من هذا المشهد، وجد نفسه يقف ينتظرها في أحد مراكز التجميل، يسمع تلك الزغاريد تتعالى من والدته، ودعاء والدتها الذي صدح بصوت عالٍ تدعو لها أن يبعد عنها الحسد وترقيها، وتصفيق شقيقاته؛ أصوات تشجيع من الجميع ليصمتوا فجأة عندما علموا بحضوره في الخارج. ازداد توتره وهم يدعونه للدخول لرؤيتها.
بخطواته المترددة، يخطو واحدة ويؤخر الأخرى، وصل أمامها يحمل باقة الزهور البيضاء كما طلبت. عيناه تشملانها من الأعلى إلى الأسفل؛ لا ينكر أنها جميلة واليوم يراها بأبهى صورها، زادها بهاءً تورد وجنتيها خجلاً، لكن ذلك القابع في صدره كان جامداً كالثلج، لم ينبض، لم يرفرف، لم ينتفض حتى بمشاعر جديدة؛ كل ما يفعله واجب محتم عليه. رسم ابتسامة متكلفة عندما شعر بعيون النساء المسلطة عليه، ليتقدم منها يسلمها باقة الزهور ويهمس لها بعبارات فرح مصطنعة:
_ألف مبروك.
لوهلة شعر أن الخيبة ترتسم على وجهها، ربما كانت تنتظر شيئاً أكبر؛ إطراءً جميلاً، استحساناً، كلمة تمنحها الثقة. كأنه جرح أنوثتها، ليتدارك فعلته عندما خطى مقترباً أكثر منها، جلى حنجرته يخبرها:
_أنتِ حلوة أوي النهاردة.
ابتسامة باهتة اغتصبتها من ضجيج أفكارها التي تكالبت عليها وهي تستشعر برودة كلماته، كأنها صقيع خدش شغاف قلبها.
دخلوا القاعة المخصصة لعقد قرانهم يتبعها مراسيم العرس، ارتفعت أصوات الموسيقى وسلطت الأضواء عليهم، لكنه وجدها تتسمر فجأة في مكانها. التفت إليها بدهشة واتجهت أنظاره حيث تنظر، ليجد والدها يجلس بجانب "المأذون" ووالده وأعمامه. علم سبب تخشب جسدها المفاجئ، انحنى نحوها هامساً بلطف:
-يلا يا "رحمة".
لكنها لم تستجب، ليجد والدتها تتأبط ذراعها وتطلق الزغاريد، وعيناها لا تحيدان عن ذلك الجالس كأنه شخص غريب في المكان؛ كانت تحاول أن توصل له رسالة أنها حققت أمنيتها، لم تنثنِ، لم تنكسر، وها هي صغيرتها عروس. تلك الزغاريد والهتافات التي شاركتها بها والدته كانت شعارات الانتصار تطلقها لتغيظه وتعلن فوزها في معركة الحياة. مشهد آخر صُفَّ ليزيد من شعور الضيق في صدره وهو يرى تلك المرأة تضع آمالها به، وهل يستحق هو كل تلك الثقة؟ لكنه قرر في قرارة نفسه: سيمثل هذا الدور أمام والدها، سيكون هو الفارس.
رفع جذعه بانتصاب يقترب منها ماسكاً ذراعها يسحبها نحو المكان لتبدأ مراسيم عقد القران. جلس بهيبة يلقي سلامه عليه وأجلسها بجانبه كأنه يخبرها أنه معها. وضع يده في يد والدها ليبدأ المأذون في إلقاء كلماته المعهودة حتى وصل إلى جملة:
-هل تقبل بـ "رحمة محمد الألفي" زوجة لك؟
كاد أن يسرد تلك الكلمات بجمود، لكن عينه أبصرتها "قمر" تقف بجانب "ورد"، ويقف "حسين" بجانبها؛ وكأن قلبه بحث عنها حتى وجدها في تلك اللحظة ليخفق بعنف متمرداً عليه، حتى وجد "حسين" يميل عليها يهمس لها بشيء فتبتسم. لسعت عينيه الدموع بعفوية، ليسحق ذلك القلب العاصي يصفعه كي يوقف نحيبه، فسعادة صديقه ألجمت جماح تهوره، لتخرج كلماته بقهر متلعثمة:.
—نعم، أقبل.
انتهت مراسيم عقد القران ليهب الجميع يباركون له، وأولهم والده الذي احتضنه بقوة يودعه فرحة تمنّاها وتحققت، كم شكر "ندى" على تلك المشاعر التي يعيشها اليوم وتلك السعادة التي تغمره. خرج من حضن والده لتحتضنه "ندى" بقوة، تسبق كلماتها دموعها وهي تهنئه:
-ألف ألف مبروك يا حبيبي، الحمد لله يا ضنايا عشت وشفت اليوم ده.
ربما دموع والدته منحته الفرصة ليحرر دموعه التي يأسرها بين جفنيه، فيبكي؛ ليس فرحاً لكن فراقاً. قبّل رأسها ويدها لتخرج من أحضانه تمسح دموعه بيدها..
-سيبيني أبارك له يا خالتو.
كان صوت "حسين" الذي زاد من قهره، يبعد والدته ليحتضنه بحب أخوي:
-ألف مبروك يا أخويا.
جمدته تلك الكلمة، ولماذا اختارها اليوم ليزيد من شعور الألم في قلبه ويلقي بها جبال حزن على عاتقه؟ بادله العناق يدعو له:
-الله يبارك فيك، عقبالك.
تناوب على تهنئته الجميع حتى وصل أمامها فازداد ارتباكه، فقد نسي ما عليه فعله. حركة يد "ندى" على ظهره تشجعه أعادت إليه عقله المسلوب، ليقترب منها يطبع قبلة سريعة على جبينها ويقول:
-مبروك.
لتخرج إجابتها مرتعشة كما يرتعش جسدها:
-الله يبارك فيك.
انتبه إلى عينيها الدامعتين تطاردان شيئاً؛ التفت ليجده والدها الذي غادر القاعة كضيف غريب، ألقى مباركته عليها كواجب وتركها. لمح عين "سماح" التي سالت منها الدموع تمسح على يد ابنتها تؤازرها، ووالدته التي اقتربت منهم تطالع "رحمة" بإشفاق ثم تشير له أن يساعدها في تخطي تلك اللحظة قبل أن تشير إلى منظمة الحفل لبدء حفلة العرس. نظر إليها بعطف يشعر بما تمر به، ليمد يده يمسح دموعها وابتسم ينحني نحوها يخبرها بصوت منخفض:
-يلا يا "رحمة" عشان الفرح هيبتدي وكده مكياجك هيبوظ.
ثم جذب يدها يتأبطها وهز رأسه لـ "سماح" التي فهمت مقصده، فعادت تطلق الزغاريد وتدعو لها لتعود وتندمج في أجواء الحفل، وتبدأ فقراته باقتراب منظمة الحفل منهم تخبرهم بما عليهم فعله.
**************************
عيناه بحثتا عنها بشوق ليجدها تجلس بهدوء بجانب والدتها، رقص قلبه برضا عندما وجدها ترتدي الفستان الذي أحضره لها؛ يا إلهي كم تبدو جميلة! اقترب من الطاولة حتى وقف يلقي عليهم التحية، فرحبت به "زهرة":
-أهلاً يا ولدي، كيفك؟
-بخير.
ثم انتقل بعينيه نحوها يسألها:
-إزيك يا "سندس"؟
خفق قلبها بجنون لكنها هذه المرة رفعت عينيها فالتقت بعينيه، ولأول مرة تعرف لغة العيون كطفل يتعلم القراءة والكتابة. شعرت بعينيه تستفسران منها دون أن يتحدث: هل رسالته قد وصلت؟ وهذه المرة ابتسامتها الخجولة كانت جواباً له عوض الكلمات التي كانت رسمية:
-الحمد لله.
بادلها الابتسامة وقال يسألها بشكل مبطن عن رأيها:
-عجبك الفستان؟
لتتوتر واكتفت بإيماءة بسيطة رافقتها ابتسامة حرجة قبل أن تخفض عينيها من جديد، فتولت "زهرة" شكره:
-تسلم يا حبيبي، تعيش وتجيب لها.
-"سندس" تستاهل الدنيا كلها.
قالها وعيناه لا تحيدان عنها حتى فطن لما قال وارتبك بعد أن شعر بحرجها، ونظرة "زهرة" مصوبة نحوه ليحمحم يسألهم:
-محتاجين حاجة يا طنط؟
-لا، متشكرين يا ابني.
تركهم وابتعد وقلبها يتعلق به وعيناها تتبعتاه خلسة، تشعر بنشوة تلك المشاعر البكر التي لامست قلبها.
************************
وعلى مسافة من المكان، كانت الفتيات يقفن ويصفقن فرحين بتلك الأجواء الجميلة، حتى التفتت "قمر" تلوم "ورد" الواقفة تصفق بهدوء:
-يا بنتي اللي يشوفك ميقولش إنك أخت العريس، فين الحماس؟ آه لو كان فرح أخويا كنت عملت الهوايل.
قطبت حاجبها تطالعها باستهجان:
-لا يا روحي، أنا آخري أسقف وبس، متتوقعيش مني حاجة.
رفعت يدها تفتح أصابعها الخمسة تشير لها بستنكار وهي تقول:
_كبّة... بنت نكدية صحيح.
مطت شفتيها بسخط وهتفت مستنكرة:
-مش نكدية، أنا بتكسف.
-بتتكسفي؟!
كررت كلماتها بتذمر لتلتفت نحو منتصف القاعة حيث تجمع أصدقاء "زياد" يجذبونه ويرقصون معه رقصة خاصة للشباب فقط؛ اشتعل فيها الحماس واندمج معها الجميع. لتهتف "مليكة" وهي تكز "قمر" كي تنتبه مشيرة لها في اتجاه معين:.
_أنا لو اتجوزت نفسي يكون جوزي زي أبيه "حسين"، فرفوش بصي!
رحلت عيناها حيث أشارت لها "مليكة" لتجده يرقص بحماس ممسكاً بيد "زياد" ويتحرك حركات اعتبرتها تافهة. أشاحت عينيها عنه مباشرة لكن عينها اصطدمت بذلك الواقف يصفق بوقار، ليرف قلبها وعقلها يقارن بين الاثنين. تنهدت بحسرة وحاولت أن تداري دموعها المختنقة.
جذبت "هدى" يد شقيقتها "شمس" واتجهوا نحو "ندى" في محاولة لمشاكستها، جذبوا يدها مبتعدين عن مصدر الموسيقى لترفع "هدى" صوتها كي تسمعها شقيقتها قبل أن _تضمها:
ألف مبروك يا أم العريس.
وكذلك فعلت "شمس" فرحين لسعادة شقيقتهم في هذا اليوم المنتظر.
_تسلموا يا حبايبي، عقبال ولادكم.
هكذا بادلتهم المباركة بعين دامعة ملأتها دموع الفرح تمنح وجهها إشراقاً بلون سعادتها. لتشاكسها "هدى" قائلة:
_بس أنتِ سبقتيني يا "ندوش"، بقى أنا أخطب لولادي قبل "زياد" وأنتِ تجوزيه قبلهم؟
_أنتِ اللي طول عمرك بطيئة، و"علي" ما شاء الله نسخة منك، وبعدين جناح "زياد" كان جاهز، إحنا عملنا الديكورات وجبنا الأثاث بس، بس أنتوا لسه بتشطبوا جناح "حسن".
زمت شفتها بعبوس مصطنع قبل أن تبتسم مازحة:
_عندك حق، أنا و"علي" بنشتغل على مهلنا، بس أنتِ ما شاء الله نازلة زن على الراجل لما خلص كل حاجة في أسبوعين عشان يخلص.
ضحكت "شمس" على حركات "هدى" الفكاهية وشاركتها "ندى" التي عاتبتها بهزل:
_أنا زنانة؟! ماشي يا "هدى"... بصراحة أنا زنيت فعلاً كتير، عاوزة أفرح بيه، و"طارق" كان بيشغل العمال ليل نهار عشان يخلص من زني.
_ربنا يحفظه ويبارك لك فيه.
قالتها "هدى" وأمّنت عليها "ندى" قبل أن يحتضنوها حضناً جماعياً كما تعودوا.
************************
كانت "أحلام" تقف تتابع مراسيم الحفل عندما وجدته؛ شخص يقترب منها ويسألها مبتسماً:
-حضرتك قريبة العريس؟
التفتت نحوه وأجابته بعفوية:
-أيوه.
ليعرفها بهويته حين أشار إلى نفسه وقال:
—أنا "باسم" صاحب "زياد"، أنتِ تقربي له إيه؟
وقبل أن تجيب سمعت صوتاً حملت نبرته غضب صاحبه، التفتت لتجد "شريف" يقف بجانبها ينظر لها بنظرات حانقة أخافتها:
-أي خدمة يا حضرة؟
ارتبك "باسم" عندما وجد شخصاً يقف أمامها فجأة ليجيب بتلعثم:
-أنا صاحب العريس.
ليمد "شريف" يده ويقول باستهزاء:
-أهلاً يا صاحب العريس، وأنا ابن عمه.
ابتلع "باسم" ريقه بتوتر وهو يجد الفتاة تبتعد خطوتين إلى الوراء ويقف الشاب أمامها يعمل كحاجز بينه وبينها كأنه حارسها الشخصي:
-أهلاً... ألف مبروك.
-الله يبارك لك، أي خدمة؟
قالها "شريف" بانفعال واضح جعل "باسم" يستأذن منسحباً بسرعة خشية الصدام مع ذلك الذي يحدجه بنظرات لا تنذر بخير:
-لا متشكر، كنت بسأل بس عن والد العريس عشان أسلم عليه.
أشار له "شريف" على مكان وقوف عمه وقال متهكماً:
-عمي واقف هناك، غريبة معرفتوش مع إنه شبه "زياد".
لم يعقب "باسم" واكتفى بكلمة مقتضبة تمنحه بطاقة الهروب من أمامه:
-متشكر.
وما إن رحل حتى التفت هو نحو تلك التي تقف خلفه تنظر له بتوجس، ليجز على أسنانه ويخرج كلماته الغاضبة من بينها:
-ممكن أعرف واقفة وبتتكلمي مع راجل غريب كده إزاي؟
رفعت كتفها بعدم معرفة وقالت مندهشة من حديثه:
-سألني وجاوبته بس يا "شريف".
استشاط غضباً حتى برزت عروقه، فصاح بها بانفعال:
-يا سلام! وتجاوبي ليه؟
لتجيبه ببرود غلفه شعور الغيرة التي أحرقته رغم إنكارها لها في تلك اللحظة:
-ومجاوبش ليه؟
تسارعت وتيرة أنفاسه وقبض على يده يعض عليها يكتم غضبه ويأمرها:
_امشي من قدامي يا "أحلام"، وأقسم بالله لو شفتك واقفة مع راجل غريب كده تاني مش هيحصل لك طيب، امشي!
قال كلماته الأخيرة بصراخ، فحمدت الله أن الموسيقى عالية غطت على صراخه لكان جذب أنظار الجميع إليهم. وقفت أمامه بعناد لحظات تنظر له بغيظ زاد من انفعاله قبل أن تفر من أمامه هاربة.
*********'' '' '********************
قبضت على فستان زفافها بقوة، وعيناها تتنقلان بين تفاصيله، تسرح في نقشات "الدانتيل" التي تزينه، علّها تلهي عقلها عن صراع الأفكار الذي يضجّ في أعماقها ما بين لائمٍ وخائف.
حرّكت عينيها دون أن تلتفت نحو ذاك الجالس بجانبها؛ كان يرسم ابتسامة متكلفة لا تظهر إلا لمن يتقدم لمباركة زفافه، ابتسامة تستشعر هي زيفها حتى لو أنكر عقلها ذلك، فبرودته في التعامل معها كانت جليّة طوال الأيام الماضية.
تنهدت بفتور، وبدأت تقنع نفسها بأن سرعة ارتباطهما، أو طريقة زواجهما التقليدية، هي ما صنع تلك المسافة الفاصلة بينهما. فجأة، شعرت بتلك الذبذبات تسري في جسدها، ترتعش معها خلاياها بقلق، فاهتزت أهدابها تنذر بسقوط الدموع الحبيسة. أسرعت ترفع رأسها، تمنع نفسها بشتى الطرق من الانسياق خلف تلك الشكوك، ولامت نفسها قائلة: "ربما هي مجرد وساوس ستتبدد حين يغلق علينا باب واحد".
خرجت من دوامة أفكارها حين اصطدمت عيناها بعيني والدتها؛ كان الفرح ينير وجه الأم، وتشرق عليه ابتسامة واسعة تعكس سعادة لا توصف. لمعت الدموع في عيني الفتاة، لكنها تداركت نفسها سريعاً، ورسمت ابتسامة مصطنعة تخفي خلفها هواجسها، بعد أن أربكها تحول نظرات والدتها من السعادة إلى القلق، وكأن قلب الأم قد شعر بقلب ابنتها.
كم ودت في تلك اللحظة أن تهرع نحوها، أن ترتمي بين أحضانها علّها تستمد دفئاً يخلصها من البرودة والخوف الذي يخنقها. ليتها تستطيع أن تخبرها بأنها تود العودة معها، أن تهرب من هذا المكان وتنهي تلك الظنون الجاثمة على صدرها. هل تستطيع العزوف الآن عن ذلك القرار المتسرع؟ أم أن الأوان قد فات فعلاً؟
أخرجها من سحابة أفكارها نداء منظمة الحفل تدعوهما لرقصة "السلو". نهض مستجيباً لندائها ومد يده لـ "رحمة" التي ظلت تنظر ليده الممدودة بضياع. رفعت يدها تضعها بيده ليجذبها فتنهض تسير بجانبه حتى وجدت يده تحيط خصرها لتريح هي يدها على صدره بخجل. بدأت رقصتهم وعينها تترقبه؛ عينيه التي تهرب منها، يرسم تلك الابتسامة الكاذبة على وجهه. ودت لو تصرخ به توقفه، فابتسامته زائفة أي طفل صغير يستطيع معرفة تمثيله للسعادة.
حتى استقرار نبضاته تحت راحتها كانت باردة كصاحبها، خفضت عينها المعلقة بوجهه وعادت تلك الهواجس تطحن تفكيرها. تمايلت حركتهم بأجواء كانت ستكون ساحرة لو كانوا بوضع مختلف. تسللت إلى ذهنها صورة صديقتها "فرح" التي تزوجت زواجاً تقليدياً وبظروف مشابهة لظروفها، لكنها كانت ترى انسجامها مع زوجها في رقصهم ونظراته التي شملتها بحب وتناسقهم معاً؛ إذاً لماذا هي تشعر بالجفاء؟ هو الآن قريب منها، تسمع دقات قلبه، تحس بأنفاسه، تستنشق عطره، لكنها تشعر أن بينها وبينه طريقاً بعيداً جداً، تشعر بالخواء كأنها في صحراء قاحلة.
وأمامهم بمسافة ليست ببعيدة، وقفت "ندى" تتأملهم بسعادة وتدعو لهم، كانت تتمايل بعفوية وتسيل دموعها رغماً عنها، لتجد من يحيط جسدها ويضمها بخفة ثم يمد يده يمسح دموعها برفق ويعاتبها بحنان:
-طب أنتِ فرحانة بتعيطي ليه دلوقتي؟
تنهدت تطالعه بابتسامة تبرر له دموع فرحها:
-فرحانة يا "طارق"، فرحانة أوي.
عاد يضمها بخفة ويشاركها سعادتها:
-عندك حق، أنا كمان فرحان أوي، ابننا اتجوز يا "ندى" وحلمنا تحقق، ربنا يوفقه يارب وتشوفي ولاد ولاده يا تيتة.
قالها مازحاً وهو يقرص وجنتها، لتجيبه بذات المزاح:
-آمين يا جدو.
ضحك الاثنان معاً قبل أن تتوقف فجأة تلتفت نحوه وتخبره بحزن:
-على قد ما فرحانة لابني، على قد ما زعلت على "رحمة" واللي عمله أبوها، هو فيه أب بالجحود ده؟
زفر نفساً طويلاً وقال يؤيد حديثها:
-عندك حق، نغص عليها فرحتها.
لتكمل بإشفاق وهي تشير له بعينها نحو "سماح" التي وقفت تتأمل ابنتها بسعادة مجروحة:
-حتى "سماح" بتحاول تخبي كسرتها بالضحك والزغاريد، ربنا ينتقم منه، طب كان على الأقل كمل معاها الفرح.
أمسك يدها وابتسم، كأن فكرة مفاجئة داهمته:
-إيه رأيك نحاول نخفف عنها شوية؟
قطبت حاجبها تسأله بحيرة:
-إزاي؟
-ثواني وهتشوفي.
ثم تركها تتبعه في ريبة واتجه نحو منظمة الحفل.
انتهت تلك الرقصة ليتوقفوا فيصفق لهم الجميع، وكادا أن يعودا إلى مكانهما لكنهما سمعا منظمة الحفل تقول:
-لو سمحتوا، بنطلب من العروسة تفضل مكانها، بابا عاوز يرقص معاها..
تجمدت في مكانها واتسعت حدقتاها تلتفت يميناً ويساراً تبحث عنه بين الحضور وقلبها يخفق بشدة تنتظر ظهوره، لكنه لم يظهر ليعبس وجهها بخيبة أمل تبدلت بابتسامة امتنان وهي تجد "طارق" يقترب منها حتى وقف أمامها يخبرها بابتسامة:
-تسمحي لي بنتي حبيبتي أرقص معاها؟
تجمعت الدموع في عينيها وخانتها الكلمات التي اختنقت في صدرها لتهز له رأسها بالموافقة. أمسك يدها يراقصها فسالت تلك الدمعة الحبيسة فمسحتها بحرج.
-"رحمة" يا بنتي، أنتِ من النهاردة عندي زي "ورد" وأكتر، أنتِ بنتي، أنا مش هقول لك اعتبريني أبوكي، لا، أنا هقول لك أنا أبوكي اللي لو خفتي هتلاقيني موجود، لو ابني زعلك هتلاقيني في ضهرك، لو حد من بناتي أو مراتي نفسها زعلك تعالي واشكي لي وهتلاقيني سندك، ولو أنا زعلتك تعالي واشتكي لي وسامحيني عشان أنا مابحبش حد يزعل مني..
قال كلماته الأخيرة بمزاح لتبتسم بخجل.
-ها قلتي إيه، موافقة؟
أصابها الإحراج ولم تعلم بماذا تجيب ليسترسل هو وصلة مزاحه يحاول التخفيف عنها:
-لأ ما هو لازم تقولي موافقة، أنا بقدملك إغراءات، لاحظي أهمهم هملص لك ودان "زياد" ابن أمه اللي فرحانة بيه.
ثم انحنى يهمس لها:
-بيني وبينك دي فرصة بالنسبة لي أنتقم منه وهو مشاركني فيها.
ضحكت على حديثه لترفع عينيها وتقول مبتسمة:
-موافقة.
-خلاص من النهاردة تناديني بابا، تمام؟
-تمام.
ليدعي الانزعاج ويقول بحدة مصطنعة:
-غلط، تمام يا إيه؟
ارتجفت تلك الكلمة على لسانها كأنها ثقلت أو نسيت كيف تنطقها، لكنه منحها الحنان لتجبر لسانها على لفظها طواعية لأنه يستحق أن يسمعها، لتخرج تلك الكلمات متقطعة:
-تمام... يا بابا.
اتسعت ابتسامته يخبرها بفخر:
-شاطرة يا "رحمة".
اضطربت أنفاسها تطالع ابتسامته التي كانت كنسمة هواء باردة هبت على روحها المحترقة فأطفأت لهيبها. تحركت عيناها نحو "ندى" التي تراقص "زياد" وعيناها تراقبها بحب، لتتنهد بارتياح؛ ربما الحقيقة الجميلة التي أحست بها اليوم أنها كسبت عائلة رائعة.
**************'' '' *****************
جذب يدها يسحبها إليه رغم اعتراضها، لكنه استطاع إقناعها بإشارة من عينيه ليحيط خصرها يضمها إليه. وضعت يدها على صدره تبتسم بخجل ليعاتبها بحدة:
-يعني واحد ومراته، فيها إيه لما يرقصوا سوا؟ لازم يعني جو الدراما والكسوف؟ هو إحنا بنسرق لا سمح الله؟ ده إحنا عشرة سنين وأنا جوزك على فكرة.
قالها بتهكم لتضحك على قسمات وجهه الممتعضة وتعتذر بدلال:
-عندك حق يا روحي، أنا بس بتكسف.
ثم انحنت نحو الأمام مقتربة منه تخبره بمخاوفها:
-بخاف نتحسد يا "فارس"، مش شايف الناس بتبص لنا إزاي؟
قالتها تتلفت حولهم بقلق تراقب أعين الناس المحيطة بهم، ليرفع كتفه بعدم اهتمام:
-ميهمنيش أي حد ولا يهمني بيقولوا إيه وإيه رأيهم، الأهم عندي أنا وأنتِ وبس، أصلاً أنا مش شايف حد غيرك.
لمعت عيناها بعشق ملأ قلبها وحبه يزداد مع الزمن، حتى أصبحت تشعر أنهم شخص واحد يتشاركون نبض القلب والأنفاس. سندت رأسها على صدره بأمان دون أن تعقب، لكنها ابتعدت فجأة عندما لمحت" شمس " "رحمة" ترقصمع طارق لتسأله بفضول:
_فاكر ليلة جوازنا يا "فارس"؟
ضح ساخرا وقال يؤنبها:
_ما بلاش الذكرى دي بالذات.
بادلته الضحك ورفعت يديها تحيط رقبته تسأله ببلاهة مصطنعة:
_طب وليه بلاش؟
_عشان أنا في اليوم ده كان نفسي أقطم رقبتك وأقطع لسانك.
تجهم وجهها وأصابتها كلماته بدهشة، انحدرت يدها لتستقر على صدره من جديد قبل أن تقول بضيق:
_يا ساتر! إيه جو الإجرام ده؟
ثم لوت شفتها بسخط وأردفت مستنكرة:
_ده المفروض أنا اللي كنت أتمنى أعمل ده مش أنت يا ابن "الجوهري".
خفض رأسه يسند جبهته على جبهتها ليلكمها بخفة، ثم عاد معتدلاً يلومها:
_وهو أنتِ ما عملتيش؟ ده أنتِ وقفتي في وشي ولا همك، مديتي إيدك تخربشي زي القطة الشرسة ، ومن ساعتها و"فارس" وقع في غرامك وبقى أسير حبك.
ضحكت على قسمات وجهه التي تتغير مع تغير نبرة صوته التي رقت في ختام كلماته، لتأخذ نفساً عميقاً قبل أن تزفره بقوة وعيناها تبحر في عينيه كأنها وجدت مرساها بعد عاصفة تلك السنين.
-وأنا كمان وقعت في حبك يا قلب "شمس"، وبقيت أسيرة لابن "الجوهري" بعد ما كنت "شمس" اللي محدش يقدر يوقعها.
-كدة نبقى متعادلين، فاضل بس مين بيحب التاني أكتر، ودي محسومة ليَّ أكيد، اوعي تنكري.
قالها يغمز لها رغم جدية حديثه، لكنها ابتسمت تحرك كف يدها على موضع قلبه تجيبه بهيام:
-مش هنكر يا "فارس"، طول السنين اللي فاتت وأنا عايشة بكرم حبك اللي محاوطني بيه، وعارفة إني أهم حاجة في حياتك... بحبك يا أحلى حاجة في حياتي.
-وأنا بعشقك يا روح "فارس".
**************************
على طاولة ليست ببعيدة، جلس "علي" يتحدث مع والده الذي كان يطلب من "صفاء" المغادرة، فهو لم يعد يتحمل صخب المكان، ليحاول إقناعه بالعدول عن قراره والانتظار قليلاً فقط:
-يا بابا خليك شوية كمان عشان خاطر "طارق".
يا بني أنا ما عدش ليَّ طاقة للأفراح، هخلي واحد من الولاد يوصلني.
التفتت "صفاء" نحو "علي" تؤكد حديث زوجها، تشير نحو "حسين" الذي هرول نحوها:
-أبوك عنده حق هو بيتعب بسرعة، نص ساعة وهخلي "حسين" يوصلنا.
-خير يا "صافي" عاوزة حاجة يا حبيبتي؟
قالها "حسين" الذي انحنى يقبل رأسها.
حبيبي نص ساعة وتعالى رجعنا البيت أنا وجدو.
تركها يحدج جده بنظرات ماكرة، يضع يده على كتفيه ويمازحه:
-عجزت يا "أبو علي" ومبقتش فرفوش، نسيت ليالي السهر والأنس؟
ليبتسم "حسن" على فكاهته لكنه وبخه بلطف:
-اخرس يا ولد، سهر إيه وأنس إيه؟ ما تحترم نفسك!
لينحني يخبره بصوت منخفض سمعه الجميع:
-هتنكر ده؟ الكل بيقول "حسن الجوهري" كان راجل فرفوش.
رمقه بنظرة جانبية يستهجن حديثه وقال مستنكراً:
-لا يا حبيبي، أنا عاقل وطول عمري في حالي، حتى اسأل "صافي" حبيبة القلب.
لتهتف "صفاء" تدعي توبيخه بدورها رغم ابتسامتها العريضة:
-ولد يا "حسين"! ابعد عن جدك، جوزي مش بتاع الحكايات دي.
-كدة يا "صافي"؟ أنا بقيت دلوقت العذول بينكم؟ ماشي، أروح أدور على خطيبتي وأتكلم معاها أحسن.
ثم تركهم مغادراً ليضحكوا على عبوسه المصطنع وانزعاجه المزيف.
التفت "علي" نحو "هدى" التي لم تكن معهم لكن عينيها كانت مسلطة على مكان آخر، تعجب "علي" لينحني يهمس لها بتعجب:
-سرحانة فين وبتبصي على إيه؟
لتشير له نحو "حسن" الذي يجلس على طاولة واحدة مع خطيبته وأهلها مندمج في الحديث مع "أصيل":
-بص يا "علي"، "حسن" فرحان إزاي بخطيبته.
نظر هو حيث تنظر ليبتسم هو الآخر:
-أيوه، ربنا يهنيه يارب.
تنهدت بحزن كانت تخفيه لتبوح به أمامه اليوم:
-كنت خايفة ميلاقيش الإنسانة اللي تعجبه، الحمد لله.
-"سندس" طيبة وبنت حلال، يا زين ما اختار والله.
أومأت له تؤيد حديثه، واتسعت ابتسامتها بحرج عندما شعرت بيده التي تسللت تحت الطاولة تحتضن يدها:
-الحمد لله يا حبيبتي إننا قدرنا نشوف الولاد مرتبطين، عقبال "لوكا" إن شاء الله.
-آمين يارب، إن شاء الله بوجودك يا حبيبي.
ثم أشار لها بعينيه نحو "فارس" الذي يراقص "شمس" ويقول باستهزاء:.
-شايفه "فارس" باشا فرحان وبيرقص ولا كأنه عدى الخمسين من زمان.
-ما تسيبه يفرح.
نظر لها بغيظ قبل أن ينهض ويجذب يدها عنوة يهتف بحماس أضحكها:
-طب اشمعنى هو يرقص ويدلع؟ يلا بينا!
***************************
ولم تكن "هدى" وحدها من تراقب "حسن"، كانت "قمر" أيضاً تراقبه بحسرة تسند جسدها على أحد أعمدة القاعة. تنهدت بحرقة وقلبها يشتعل من الغيرة تبصر سعادته بخطيبته ونظراته المتبادلة معها، لسعت الدموع عينيها وكادت أن تسيل قبل أن يجفلها صوت قادم من خلفها:
-عقبالنا.
انتفضت تلتفت خلفها لتجده يقف تزين وجهه ابتسامة عريضة استفزتها لتقول بضيق:
-"حسين" خضتني!
ليسرع بالاعتذار وخطواته تقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهم سوى بضعة سنتيمترات:
-آسف يا حبيبتي.
أربكها اقترابه وكلمة "حبيبي" التي خرجت صادقة تصاحبها نظرات عشق طعنتها بخنجر الندم بدل أن تسعدها، لتعود خطوة إلى الوراء تحاول الهروب لكن نظراته حاصرتها يخبرها بتوق:
-إمتى يجي اليوم اللي أشوفك فيه بفستانك الأبيض؟ أنا بحلم باليوم ده.
ابتلعت ريقها باضطراب وأمنيته تخنقها، تتخيل ذلك اليوم لتغمض عينها تعتصرها بقهر وحلمه ليس سوى كابوس بالنسبة لها، لكنه لم يكتفِ ويرحمها بل أضاف يغازلها:
-أكيد هتكوني أحلى عروسة في الدنيا.
فتحت عينيها تلتقط أنفاسها بضيق تخبره بحدة:
-"حسين" لو سمحت أنا مابحبش الكلام ده، إحنا لسه مخطوبين وأنا...
قاطعها ضاحكاً:
-إيه؟ بتتكسفي؟ خلاص يا ستي أنا آسف عندك حق، خليها لوقتها، أكيد الحقيقة هتكون أحلى من الحلم بكتير.
فاجأها تهكمه والأدهى ثقته بجمال ذلك اليوم، تباً له! تمتمت بها في سرها وكم تتمنى أن يتوقف، فكلماته سهام تمزق قلبها النازف، تضيف له جرحاً اسمه الندم. حاولت الهروب من أمامه لتقول بتلعثم:
-عن إذنك يا "حسين"، ماما كانت عاوزاني وتأخرت عليها.
تحركت من أمامه بخطوات مسرعة دون أن تلتفت وراءها، فظل هو يطالعها مبتسماً وحلمه يلوح أمام ناظريه كأجمل وعود القدر.
************************
شارف الحفل على الانتهاء وعيناها لا تحيدان عن صغيرتها التي ستودعها بعد قليل؛ مزيج من الفرح والفقدان تصارعا داخلها، تتمنى لها السعادة وقلبها يتكوى بنار فراقها؛ كيف ستعود للمنزل وحيدة من دونها؟ اقتربت منها وخشيت أن تنهار لتجر قلبها أن يتحلى بالصبر، ودعت الله أن تسيطر على دموعها كي لا تخونها.
نهض "زياد" يتأبط ذراعها لتسير معه كي تغادر المكان وعيناها تبحثان عنها بقلق، حتى اتسعت ابتسامتها عندما رأتها، لولا تمسك "زياد" بيدها لهرولت نحوها وارتمت بين أحضانها. "ندى" التي شعرت بصديقتها وقفت بجانبها تؤازرها تمسح على ذراعها مطمئنة. وصلت أمامها لتفتح لها ذراعها وعينها معلقة بـ "زياد" تتوسله بصوت مبحوح:
-مش هوصيك عليها يا بني، دي نور عيني، خلي بالك منها يا "زياد".
كلماتها أثقلت كاهله وهي تحمله أمانة لا يعلم هل يستطيع حملها أم سيخونه قلبه العاصي، لكنه شعر بالإشفاق عليها ليسحب "رحمة" يضمها قبل أن يمسح دموعها ويعد "سماح":
_"رحمة" في عيوني متخافيش عليها.
ضربت "ندى" كتفها تعاتبها:
-بطلي عياط متنكديش عليها ليلتها، بنتك هي بنتي يا "سماح" متخافيش عليها.
ثم احتضنتها تقبلها تواسيها وتطمئنها في ذات الوقت، وتشير لـ "زياد" أن يأخذ عروسه نحو الخارج. تبعته هي و"سماح" التي ظلت تنظر لابنتها وتتمنى لها السعادة.
**************************
وقفا أمام مسكنهم الخاص، أحدهم ينظر للآخر بتيه، مشاعره غلفتها الحيرة وسكنتها الغربة؛ أحدهم لا يعرف الآخر ويفترض بهم أن يبدأوا حياتهم معاً بعد قليل. تقدم "زياد" يفتح الباب ويشير لها نحو الداخل:
_اتفضلي.
دخلت ليخفق قلبها بشدة كأن نبضاتها قرع طبول لبداية حرب، دخلت وعيناها تدوران في المكان وهدوئه لا يتخلله سوى صوت قماش فستانها الذي يحتك ببعضه مع خطواتها. توقفت في منتصف الصالة تراقب تفاصيلها بتمعن، فخجلها منعها من التدقيق بها في المرة السابقة عندما حضرت لتراها مع والدتها، لا تنكر أنها تحمل ذوقاً راقياً ربما كانت أجمل مما حلمت به. صوت إغلاق الباب خلفه أجفلها وارتعشت وهي تجد خطواته تقترب منها.
صمت لا يشوبه سوى صوت أنفاسهم المرتفعة قطعه صوت حمحمته المضطربة:
_اتفضلي اقعدي يا "رحمة".
تحركت بخطوات متوترة وجلست حيث أشار لها. زاد توترها وهي تجده يجلس بالقرب منها بعد أن فتح أزرار سترته، أخذ نفساً عميقاً شعرت أنه يحمل حديثاً يثقله، لكنها انتظرت أن تسمع منه ولم يخيب حدسها ليلتفت نحوها يحدق بها برهة من الزمن، عيناه سبقت لسانه وهي تبوح لها بالكثير. خفضت عينيها باستحياء بعد أن طال صمته، ليأتيها صوته المتردد:
_"رحمة"، أنا عارف إننا اتجوزنا بسرعة وإننا مقدرناش ناخد على بعض أو حتى نتكلم مع بعض بصراحة، لكن...
توقفه عن الكلام أقلقها، لترفع رأسها تتطلع له بقلق؛ كان قلبها أحس أنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. ابتلع ريقه ومسح على وجهه؛ كان في صراع ما بين خيارين، لكنه اختار أصدقهما كي تكون بدايتهم صحيحة كما أخبره عقله، متجاهلاً عواقب هذا الخيار الطائش ظن انه به يرضي ضميره:
_في حاجة لازم تعرفيها قبل ما نبتدي حياتنا سوا.
