رواية بنات ورد الفصل العاشر 10 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز

رواية بنات ورد الفصل العاشر 10 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز

❣️ براعم الحب ❣️ 10

غمرتها السعادة تنظر له ببلاهة، لا تصدق أنها لم تبذل جهداً لإقناعه بعد أن ظنت أنه سيعافر ويرفض، لكن ها هو يفاجئها بالموافقة لتسأله من جديد تحاول التأكد مما سمعت:

_​حبيبي يعني أنت موافق؟

رسم ابتسامة باهتة رغم تشتت صاحبها، ورفع يده يمسح على ذراعها يجيبها بحنان وصوت شق طريقه من بين أفكاره المبعثرة:


_​أيوه يا حبيبتي اعملي اللي يريحك.

​المهم أنت تكون مرتاح مش أنا يا بني.


أومأ لها مؤكداً:


_​هبقى مرتاح طول ما أنتِ مرتاحة.


​نظرت له برضا ودعت له بلسان والدة صادق:


_​ربنا يريح بالك يا حبيبي.


تركت ولدها الغالي وقلبها يملؤه السعادة، تتجه نحو ذلك الذي تحداها أنه سوف يرفض. كان يمسك هاتفه يقلب صفحاته ويتابع آخر التطورات والأخبار عندما وجدها تندفع نحوه ترمقه بنظرة انتصار صاحبتها ابتسامة عريضة تخبره بسعادة:


_​وافق يا «طارق» وافق!


نظر لها بدهشة قبل أن يخلع نظارته الطبية ويضع هاتفه جانبه يسألها بإصرار:


_​أنتِ متأكدة يا «ندى»؟ يعني هو قال موافق ولا أنتِ ضغطتِ عليه ولا خمنتِ؟


طرح أمامها جميع الاحتمالات التي توقعها علها تختار أحداها، فموافقته المباشرة أثارت قلقه أكثر، وما زاد من حيرته: لماذا لم يطلب وقتاً للتفكير؟ اقتربت منه تجلس بجانبه، عينها تشع حماساً يسبق كلماتها التي خرجت بابتهاج:


_​صدقني يا حبيبي دا أنا يدوبك قلت له رأيي وسألته إيه رأيك، قال اللي تشوفيه مناسب اعمليه.


ختمت حديثها لتنتفض تبحث عن هاتفها كي تتصل بـ «سماح»، لكن قبل أن تضغط زر الاتصال سبقها صوته المعترض:


_​استني يا «ندى» ماتستعجليش، خلينا نتأكد منه قبل ما تكلميها.

التفتت نحوه بضيق تستنكر حديثه وتلومه بسخط:

_​يوووه يا «طارق» ما أنا قلت لك إنه وافق، يبقى نتأكد إيه؟ بلاش تفكير سلبي!


زفر أنفاسه القلقة وقال يحاول إقناعها:


_​أنا مش مطمن يا «ندى» قلبي مش مرتاح.

اقتربت منه وعادت تجلس أمامه تمسح على صدره، وعيناها تتشابكان مع عينيه بنظرة مطمئنة تجاري كلماتها التي حملت شيئاً من اللوم والإقناع:


_​ليه يا حبيبي التشاؤم دا؟ خلي توكلنا على رب العالمين وإن شاء الله خير، ما تخافش «زياد» عاقل والبنت طيبة، خايف من إيه؟


حدق بها بذهن مشتت، فهو ذاته لا يعلم سبب هواجس الخوف التي سكنت قلبه، ربما خوفه أن يظلم ولده تلك الفتاة، أو أنها لا تتحمل كما تحملت «ندى». يدها التي لا تزال تتحرك على صدره بحنان جعلته يبتسم رغم الأفكار التي كانت تدور في عقله؛ فحنانها ودلالها له، وخوفها عليه، كلها كانت قوت هذا الحب وأمان هذا الزواج الذي أنعشه وجودها واحتواؤها.


تعجبت وهي ترى ابتسامته التي ظهرت فجأة لتقطب حاجبيها تسأله بدهشة:


_​أنت بتضحك ليه دلوقتي؟


وضع يده على يدها التي استقرت على صدره ورفعها يقبلها بحب زاده الزمان قوة، وتفاهم زينه الاثنان بالاحترام. أسعدها تصرفه وأثار ريبتها في ذات الوقت لتسأله:


_​حبيبي فيه إيه؟


_​زمان قلت لك ساعات بحس إنك أمي اللي بتخاف عليا وتهتم بيا، وأنا بحب أدلع أكتر عشان أشوف دلالك ليا.. كلمة بحبك ومتشكر قليلة في حقك يا «ندى».


احمرت خجلاً وخفق قلبها بشدة، وكلماته تروي بساتين عشق أزهرت في حبه وقلب تعلق به بات مسكنه لا يشاركه أحد سواه.


******************************

​كانت تقف في المطبخ تكمل أعمال التنظيف وتراقب كعكة البرتقال التي تحبها ابنتها. فتحت باب الفرن بحذر وأطلت عليها لتجدها قد نضجت، أطفأت الفرن والتقطت قطعة قماش وبدأت بتجفيف الأطباق التي غسلتها وأعادتها مكانها، فتعجبت عندما سمعت صوت جرس الباب يصدح في المكان. وضعت الطبق الأخير في مكانه تهمس لنفسها بدهشة:


_​يا ترى مين اللي جاي لنا دلوقتي؟


غسلت يدها وجففتها قبل أن تتجه نحو الباب الذي استمر رنين جرسه، لتصرخ بـ «طارق» متذمرة:


_​أيوة يا اللي على الباب مالك متصربع كده!


فتحت الباب لتقف مندهشة وهي تراها أمامها لتردد اسمها بقلق:


_​«ندى»!

_​ازيك يا «سماح» عاملة إيه؟


احتضنتها بلهفة ترحب بها، وأزاحت جسدها تشير لها بالدخول. دخلت «ندى» إلى المنزل وكأنها صاحبته، فلطالما جمعتهم لقاءات فيه وشهدت أركانه على مواساتها لها والفرح لأجلها.


_​يا أهلاً يا أهلاً يا «ندوش» اتفضلي.


هكذا استقبلتها بحفاوة، لتجلس تكتم بسمتها وهي تبصر نظرات «سماح» التي تتبعها بريبة وقلقها البادي على وجهها رغم أنها تخفيه خلف ابتسامتها. استأذنتها تشير لها نحو المطبخ قائلة:


_​ثواني أجيب الشاي عشان أذوقك كيكة البرتقال اللي عملتها.


​ملوش داعي تعالي اقعدي ماتتعبيش نفسك.

هكذا رفضت «ندى» عرضها لكنها أصرت، لتذهب وتعود بعد قليل تضع الشاي والكعك أمامها، تقطع لها قطعة وتضعها في صحن خاص أمامها تشير لها نحوه:


_​ذوقي واديني رأيك.

لوحت لها «ندى» باعتراض:


_​تعالي اقعدي وسيبي الكيك، عاوزة أتكلم معاكِ.

جلست وعيناها تعلقت بـ «ندى» بترقب، قلبها يحدثها أن «ندى» تحمل شيئاً مختلفاً في جعبتها، فلمعة عينيها تشي بسعادة تظهر من نظراتها.


_​اتفضلي يا «ندى» سمعاكي.


ابتسمت لها وبدأت حديثها بطلبها مباشرة:


_​بصراحة يا «سماح» أنا النهاردة جاية أطلب إيد «رحمة» لـ «زياد» ابني، أنتِ أختي و«رحمة» بنتي ومش هلاقي أحسن منها لابني.


اتسعت عيناها وهي لا تصدق ما تسمعه، قلبها خفق بشدة وامتزجت المشاعر ما بين سعادة وحزن وخوف، لا تدري أيهم سيطر على الآخر؛ فسعادتها بشاب مثل «زياد» عريساً لابنتها يمتلك مميزات كثيرة تتمناها أي أم لابنتها، وحزنها على فراقها، وخوفها من رفض ابنتها أو أن يحدث شيء.. لحظات الصمت حملت سيلاً من الأسئلة اجتاح فكرها دفعة واحدة.

ذلك الصمت الذي تفاجأت به «ندى» المحدقة بها تنتظر جوابها، لكنها كانت تنظر لها بعين زائغة وعقل تائه حتى يئست لتسألها بريبة:


_​«سماح» مالك؟ هو أنا قلت حاجة غلط؟


رمشت بعينيها كأنها عادت من مكان بعيد لتهز رأسها نافية:

_لا يا حبيبتي بالعكس يا «ندى»، أنتِ فرحتيني، «زياد» شاب يجنن أي أم تتمناه لبنتها بس...


فهمت «ندى» مقصدها لتعفيها عن إصدار التبريرات وقالت بتعقل:


_​عارفة يا «سماح» أنتِ تقصدي «رحمة» حبيبتي، خدي وقتك واسأليها دا حقك يا «سماح» بس ما تطوليش عليا أنا عاوزة أفرح بيه بأسرع وقت.


انتهى لقاؤهم على أمل الرد في وقت قريب.


**************************

​كانت تلتهم قطعة الحلوى وتتلذذ بنهم لتغمض عينيها باستمتاع قبل أن تفتحها وتمتدح والدتها:


_​الله يا ماما تحفة، أحلى مرة عملتيها، بقيتي شيف ممتاز يا «سموحة».


كانت تتأملها في صمت وتبتسم على حركاتها الطفولية وطريقة أكلها بسعادة، هي لا تراها فتاة في العشرينيات من عمرها، هي تراها فتاة الخمس أعوام التي أصبحت لها أماً وأباً، تحاول تعويضها مشاعر سرقت منها بعد أن كانت متعلقة بوالدها وفقدته فجأة، بل الأقسى أصبح شخصاً غريباً في حياتها. تنهدت في حيرة: ماذا تفعل؟ هل تخبرها أنها تتمنى أن ترضى بـ «زياد»؟ فتلك العائلة الجميلة خيار الأمان حسب تصورها.


-​ماما... ماما... «سماح» روحتي فين؟


التفتت نحوها تجيبها بضيق:


-​مالك بتصرخي ليه؟


​بقالي ساعة بنده عليكِ وأنتِ ولا أنتِ هنا، بقولك أنتِ غيرتِ الوصفة ولا عملتِ إيه؟

مصمصت شفتيها باستنكار وقالت تزجرها:


-​لا يا اختي أنا بعملها حلو من الأول، قومي لمي الأطباق واغسليهم وتعالي عاوزة أتكلم معاكِ.

-​حاضر يا عسلية ولا تزعلي.


شمرت عن أكمامها وحملت الأطباق تمتثل لأمر والدتها ورحلت نحو المطبخ، لتعود بعد قليل تنزل أكمامها وتجلس أمامها تخبرها مبتسمة تلوح لها بيدها:


-​أديني خلصت يا ست الكل والمطبخ لمعته، عاوزاني في إيه؟ شكله موضوع كبير.


نظرت لها لتسألها بجدية:


-​إيه رأيك في «زياد»؟

رفعت حاجبيها تمط شفتها وتجيبها بتعجب:

-​اشمعنى؟

لتصيح بها بحنق:

-​بت أنتِ هتخشي لي قافية؟ بسألك إيه رأيك في «زياد»؟ «ندى» زارتني النهاردة وطلبت إيدك.


مهلاً.. هل ما سمعته حقيقة؟ «زياد» يتقدم لخطبتها! ذلك الشاب الذي كانت معجبة به أيام مراهقتها، لكن هذا الإعجاب رحل بعد أن نضجت، هو لم يكن سوى إعجاب بشاب وسيم، لكنها لا تنكر أن رؤيتها له البارحة أثارت بداخلها بعض المشاعر، ربما شيء عالق من ذكريات الماضي استفاق لوهلة بمشاعر عابرة.

نهضت «سماح» واقتربت منها تجلس بجانبها وتحيط كتفها بحنان تسألها بلطف:


-​حبيبتي إيه رأيك؟


التفتت نحوها تسألها بحيرة كأنها ترمي ثقل اختيارها على أكتافها:

-​أنتِ إيه رأيك يا ماما؟

ضغطت بأناملها على كتفها تضمها قليلاً تمنحها شيئاً من الأمان قبل أن ينطلق لسانها يسرد صفات «زياد»: شاب بشهادة عالية، مثقف، وسيم، بحالة مادية ممتازة، خلوق، والدته طيبة، أسرة متماسكة من الطراز الأول.

إذاً الاختيار واضح والرفض لم يكن سوى بطراً. لم تجبرها على الموافقة لكن يكفي ما تراه من لهفة في عينيها؛ مدحها له كأنه الأفضل وفرصة ستخسرها وربما لم تحظَ بأفضل منها. تضع أمامها الخيارات لكن عينيها تشير لها نحوه كأنها تقول لها: أترجاكِ وافقي. أخفضت عينيها تهرب من نظراتها المحدقة بها، هي لن تلومها، تعلم كم تحبها وتخاف عليها، ودائماً ما كانت تدعو لها بالأفضل وألا يكون نصيبها حظاً مثل حظها، ربما كونها تعرف هذه العائلة جيداً منحها الأمان في الاختيار؛ فمن تعرفه أفضل بكثير من الغريب، أسطوانة سجلت من الماضي وتكرر علينا سماعها حتى ظننا أنها الحقيقة، متناسين أن أصابعنا ليست متساوية ولكل قاعدة شواذ.


شعرت بثقل يجثم على صدرها كأنها تقف في منتصف الطريق لا تعلم أتركب السيارة القادمة وتذهب معها إلى المجهول أم تنتظر؟ لكن ربما انتظارها يطول ولا تجد من ينتشلها. جملة «سماح» التي ختمت بها حديثها جعلتها ترفع رأسها وتنظر لها بضياع:


-​حبيبتي فكري وصلي استخارة ولما ترتاحي لجواب ابقي ردي عليا، بس هي طنط «ندى» مش عاوزانا نطول عليها.

اكتفت بإيماءة بسيطة قبل أن تنهض مغادرة المكان.

*********************************

​عادت من عملها منهكة تجر خطواتها جراً، دخلت من باب المنزل ليلتقط أنفها تلك الرائحة، جعدت أنفها بنفور فهي علمت ما هي تلك الرائحة، فلن يخطئ أنفها رائحة "الفسيخ"، تلك الأكلة التي صنعت اختلافاً بينها وبينه؛ فـ «فارس» يعشقها وهي لا تحبها. ابتسمت عندما وصلت إلى مسامعها صوت ضحكاته، لتجده يجلس مع «حسين» و«شريف» يتناولون تلك الوجبة بنهم. اقتربت بخطواتها منهم تبصر استمتاعهم بسعادة غامرة.

وكأن قلبه أحس بحضورها ليلتفت مبتسماً عندما لمحها تقترب، لتهز رأسها بقلة حيلة عندما التقت عينيه بعينيها وازدادت ابتسامتها اتساعاً:

-​مساء الخير.

قالتها وهي تضع كفا يدها على كتفيه ضاغطة عليهما برفق.

-​مساء النور يا روحي.

-​أهلاً يا خالتو... اتفضلي معانا الفسيخ والرنجة يجننوا.

هتف بها «حسين» يشير لها نحو ما يتناولون. سبقت كلماتها ضحكة بسيطة قبل أن تجيبه:


-​أهلاً يا حبيبي... تسلم يا قلب خالتك أنا والفسيخ مش صحاب خالص، تقدر تقول كده ضرتي.


اهتز كتفه تحت يديها بعد أن انفلتت ضحكاته قبل أن يجيب هو على الدهشة التي ارتسمت على وجه «حسين»:


_​أصل الفسيخ والكوارع هي نقاط الاختلاف بيني وبين خالتك، أنا بعشقهم وخالتك بتقرف يا سيدي، يعني أنا النهاردة في حالة طوارئ.


ضغطت على كتفه وإبهامها يتحرك بسلاسة تمنحه تأييداً لحديثه، رافقته كلماتها الفكاهية:


_​آه... يعني خلي بالك أنت دلوقتي بتخوني يا ابن «الجوهري».


_​والله يا روحي مش أنا السبب، «حسين» ابن «علي» هو السبب، هو اللي جاب الفسيخ وأغراني، أبوه بعته بيهم يعني «علي» الخبيث هو اللي دفعني للخيانة!


ضحك «حسين» حتى بانت أسنانه يوزع نظراته بينهم قبل أن يعاتب «فارس»:


_​كده يا عمي بتسلمني لخالتو تسليم أهالي!


بادله «فارس» الابتسامة ليستهجن «شريف» اعتراض والدته ويقول ناصحاً لها وهو يحمل قطعة يعصر عليها بعض الليمون ويقدمها لها:


_​والله يا ماما أنتِ غلطانة جربي شوية، هتحبيه أوي طعمه بيختلف عن ريحته صدقيني دا تحفة.

حركت رأسها رافضة وقالت:

_

​تسلم يا حبيبي بالهنا والشفا.. كفاية أنت وبابا بتاكلوا كأني أكلت.

ثم انحنت تهمس له بجانب أذنه بما وصل لمسامع الآخرين:


_​حبيبي بلاش تاكل كتير الأكلة تقيلة وهتتعبك.


_​إن شاء الله مش هتهور ماتخافيش يا «مشمش».


لتربت على كتفه كأنها تكافئه:


_​ألف هنا يا روح «مشمش».


قالت هذا وسحبت يدها تتركهم مغادرة الحديقة نحو مدخل المنزل. كان «حسين» يراقب الموقف وفي داخله يتمنى أن يعيش هو و«قمر» قصة حب كهذه جميلة بكل ملامحها من تفاهم واحترام وتقدير وثقة.


​انتهت وجبتهم ليدعوه «فارس» لتناول الشاي، تناولوا الشاي ليستأذن منه «فارس» الذهاب لأخذ حمام دافئ. صعد، وصل إلى بداية السلم ليجدها تنزل السلالم بعد أن أنعشت جسدها بحمام دافئ يزيل عنها إرهاق يومها. اتسعت ابتسامته عندما وجدها تقف أمامه ليسألها باهتمام اعتادته منه:


_​اتغديتِ؟

_​كنت باخد شاور وهتغدى، حضرت لك هدومك هتلاقيهم على السرير.


ثم ضربته على كتفه بخفة وتقول مازحة:


_​يله روح عشان تمسح ريحة الخيانة.


ابتسم وانحنى يقبل وجنتها قبلة بطيئة يتلذذ باستنشاق عطر خصلاتها الرطبة يخبرها بامتنان:

_​يسلم لي حبيبي...


ثم قرص أنفها يداعبها:


_​معلش استحملي ريحتي ثواني.

_​حبيبي ألف هنا على قلبك... ولا يهمك أهم حاجة إنك انبسطت.


كلماتها القليلة كانت كفيلة ببعثرة مشاعره حتى كاد أن يميل نحوها من جديد لكنها أوقفته، تضع يدها على صدره تمنعه تهمس له بخجل:


_​«فارس».. «حسين» مركز معانا فبلاش تهور، ولادك متعودين لكن الولد فرد جديد مش متعود.


ختمت كلماتها وانفلتت ضحكة منها وهي تجده يغمغم بشتائم على ابن شقيقتها ووالده قبل أن يتركها صاعداً درجات السلم بحنق.


​كان يقف مع «شريف» يهم بالرحيل ويمني نفسه أن يراها قبل مغادرته، لتتحقق أمنيته ويجدها تدخل من باب المنزل. خفق قلبه بقوة واتسعت ابتسامته، عينه تغمرها بشوق فاضح لكن ابتسامته تبخرت بحرج عندما وجدها تضع يدها على أنفها بقرف وهي تقف أمامهم تسألهم باشمئزاز:


_​إيه دا؟ أنتوا واكلين فسيخ؟ فيه ريحة مقرفة افتكرتها بره لكن باين إن أنتوا اللي واكلين فسيخ، يععع أنتوا بتستحملوا إزاي؟


شعر بدلو ماء سُكب على جسده وشعر بالحرج من نظرات الازدراء التي ترمقهم بها، ليتحمحم ويقول:


_​آه فعلاً.. إحنا أكلنا فسيخ...


ثم أتبع كلماته بتحية نسيت أن تقولها عله يشعرها أنها لم ترحب به أصلاً:


_​ازيك يا «قمر»؟


_​أهلاً.


قالتها باقتضاب ويدها لا تزال موضوعة على أنفها وفمها. شعر «شريف» بالتوتر والخجل من تصرفات شقيقته ليقول مبرراً:


_​معلش أصل «قمر» بتقرف أوي من ريحته.

ليجيبه بتلعثم:


_​آه عندها حق... عن إذنكم.


ثم تجاوزها مغادراً بخطوات سريعة، صافعاً الباب خلفه لتنظر له بضيق، وكادت أن تلومها لكن صوت «شمس» سبقها وهي تصرخ بها موبخة:


_​أنتِ إزاي تكلمي خطيبك بطريقة الزفت دي؟ ما تتعدلي يا بنت «شمس»، أد كده قرفانة يا بنت الباشا؟ على الأقل كنتِ استحملتِ واحترمتِ إنه خطيبك!


زفرت أنفاسها متأففة وهي تتجه نحو الدرج تلوح لها بعدم مبالاة:


_​يوووه يا ماما ما أنتِ عارفة إني بقرف منه ولو أبويا ذات نفسه كنت قلت له نفس الكلام.


مرت من جانبها وكادت أن تتجاوزها لكنها أمسكت ذراعها بغضب تتوعدها:


_​آخر مرة تكلمي خطيبك بالطريقة دي...

التفتت نحوها لتتواجه أعينهما في صراع ما بين نار وجليد، تخبرها ببرود تام:


_​حاضر.


وأكملت «شمس» بحزم ضاغطة على ذراعها تأمرها بانفعال:


_​تتصلي بيه يا بنت «فارس» وتعتذري منه، أنتِ فاهمة؟


ظلت تطالعها بصمت مرير حتى صرخت بها «شمس» من جديد:


_​فاهمة؟


​أفلتت يدها بعد أن هزت رأسها بالموافقة على مضض، لتتسارع خطواتها نحو الدرج وعين «شمس» تتبعها بتعجب. عادت بنظرها نحو «شريف» الذي شاركها الدهشة من غلظة تصرف شقيقته.


أما هو فخرج نحو سيارته، جلس خلف المقود يزفر أنفاسه بانفعال، صدره يعلو ويهبط بغضب. يتعجب من تصرفها الغريب، لماذا تصرفت هكذا؟ هو لم يرها منذ أسبوع، لم يتواصل معها سوى برسائل بسيطة لم تتجاوز السؤال عنها، إذاً لماذا تعامله هكذا؟ بدلاً من أن تستقبله بشوق تحرجه بهذه الطريقة.

أفكاره تضاربت وأنفاسه تسارعت، وبعد مدة من الزمن تباطأت أنفاسه وهو يجد هاتفه يصدح برسالة منها. رغم كلماتها القليلة لكنها كانت كماء بارد صُب على نار غضبه حتى جعلتها رماداً يتناثر في الهواء كأنه لم يكن:


_(آسفة يا «حسين» بس أنا مودي بيتغير لما بشم ريحة الفسيخ).


هدأت أنفاسه وعادت الدماء تسير في عروق قلبه التي تيبست بعد أن أُهدرت كرامته بجفائها. ظل يحدق برسالتها بعشق، فقد استرد قلبه سطوته على عقله يمنحها عذراً ليردد لسانه:


_​بحبك.


أما هي فأغلقت هاتفها بإهمال بعد أن أرسلت رسالتها الكاذبة له، تراقب سيارته المصطفة أمام بابهم من شباك غرفتها، تلوم حالها من جديد. كانت تملك الفرصة لتخبر والدتها الحقيقة التي وقفت على طرف لسانها لكنها ابتلعتها من جديد.


************************ 

​كل شيء حدث بسرعة غريبة؛ خطبتها، موافقتها، رؤيتها الشرعية التي لم يتحدث خلالها سوى بكلمات بسيطة، لتجد نفسها اليوم تقف كي تختار خاتم الخطبة وباقي أجزاء شبكتها. كانت تود أن يقف بجانبها يختاران معاً الخاتم، لكنه كان يقف بعيداً عنهم يترك لها حرية الاختيار كما زعم. تلك الخواتم التي كانت تلمع بتناغم مع أضواء المصابيح تعكس بريقاً أخاذاً يسحر من يراها، لكنها لم تكن تراها. شيء ما بداخلها كان يحجب عنها لذة الاختيار وسعادة اللحظة، خوف يتملكها من المجهول تفاقم مع برودة حماسه.


كانت تطالع الفرحة التي غمرت والدتها و«ندى» وهم يساعدونها في الاختيار وتؤنب نفسها، فربما كانوا على حق وبروده أمر طبيعي، هم لا يعرفون بعضهم بعد. هتاف «ندى» تناديه ليقترب جعلها تلتفت نحوه بتلقائية، لتقابل عينيه عينيها بعفوية؛ هناك شيء يسكن عينيه خلف ذلك. أخفضت عينيها باستحياء، اقتربت خطواته منها ليقف أمامها بجمود، يستمع إلى حديث والدته وهي تشهر أحد الخواتم أمامه:


_​بص يا حبيبي إيه رأيك؟


رسم ابتسامة متكلفة يجيبها بهدوء تحرقها كلماته المقتضبة:


_​حلو.

لكنه فاجأها عندما قال مشيراً نحوها:


_​شوفي رأي «رحمة» هي صاحبة الشأن.


ناولتها «ندى» الخاتم تخبرها:


_​البسي يا حبيبتي خليني أشوفه على إيدك.


التقطت الخاتم منها بتردد ويدها ترتعش وهي تشعر بعيونهم مصوبة نحوها، لم تكترث سوى بعينه التي تتابعها رغم برودة نظراته التي شابهت برودة زجاج تلك العارضة التي وضعت يدها عليها لتريهم شكل الخاتم في يدها.


_​حلو أوي يا حبيبتي بسم الله ما شاء الله.


ذلك الصوت الدافئ الذي شق أجواء الجليد التي تحيطها منحها الدفء كأنه يحتضنها، كان صوت والدتها التي كانت تتأملها بعيون لمعت بها الدموع التي تحاول مداراتها. ابتعد يفسح المجال لـ «سماح» كي تقترب منها تمسك يدها تطالعها بانبهار كساه الحنان. التفتت «ندى» نحو «زياد» تسأله من جديد:


_​ها يا «زياد» إيه رأيك ناخد الطقم كله؟

_​مادام عجب «رحمة» خلاص يا ماما اللي تشوفه.

ابتسمت له وقلبها ينبض بفرح ليس من أجل وحيدها بل من أجل تلك الفتاه أيضاً، وهو يضع اختيارها في المقام الأول.


ابتعد بخطوات أكبر يجر معه شعوراً بالضيق، فمشهد «سماح» المتلهف وعيونها التي كانت تطالعه بأمل كانت تخنقه، وسؤال واحد دار في ذهنه: هل تستطيع «رحمة» شفاءه من مرض اسمه «قمر»؟ أم هل تستطيع اختراق أبواب قلبه الموصدة؟ أم أنها ستكون مجرد مسكن للألم يخفف عنه دون أن يشفيه


*******************

وبعد مرور شهر  في غرفه

"حسن".


​تحركت يداه تتلمس قماش ذلك الثوب الناعم، كان أنيقاً وبسيطاً في ذات الوقت، حمله ينظر له بانبهار، دوماً كان يثق في ذوق والدته وشقيقته. نفضه ليرفعه أمام ناظريه يطالعه برضا وهو يرى احتشامه وأكمامه العريضة، واسع بما فيه الكفاية أن يغطي مفاتنها، نقوشه من الدانتيل أضفت عليه لمسة جميلة. ابتسم وهو يتخيلها ترتديه، خفق قلبه بشوق عندما علم أنها قد حضرت مع والدتها وشقيقها لحضور حفل زفاف ابن خالته، لا يطيق الانتظار لزيارتهم في بيت خالته التي أصرت على إقامتهم عندها.

انتبه إلى نداء والدته التي فتحت الباب تستعجله:


-​يله يا «حسن» كده هنتأخر على الناس يا بني.

ثم نظرت إليه تطالع هيئته وعطره الذي بالغ فيه حتى ملأ أركان حجرته لتبتسم تغمز له تخبره بمكر:

-​إيه دا؟ اش اش إيه الجمال دا كله يا «أبو علي»! دا أنت ولا العريس في ليلة فرحه!

وقبل أن يعقب لمحت الفستان الذي يحمله لتسأله مشيرة نحوه:


-​عجبك الفستان؟


نظر إلى الفستان ثم إليها يجيبها شاكراً:

-​أوي، تسلم إيدك يا ماما زي ما طلبته بالضبط.

​يا رب يعجبها ويجي مقاسها أصل أنا حساه واسع شوية.

حرك سبابته نافياً بسرعة يؤكد لها حسن اختيارها:


-​لا كويس أوي، عاجبني أوي ومناسب أوي.

​يا ابني أهم حاجة يعجبها هي.


أومأ لها كأنه يرفض أن لا يعجبها أو لا يناسبها:

_​لا إن شاء الله هيعجبها.

****************************

​في منزل «شمس» كانت تجلس مرحبة بضيوفها أحر ترحيب، تتبادل الحديث مع «زهرة» التي وكعادتها لم تتوقف عن سرد الأخبار لها، تسألها عن حال الجميع وتروي لها أخبار أحبائها بحماس لتسألها «شمس» بود:


-​و«فرحة» ماجتش معاكم ليه؟ كانت انبسطت معانا ما أنا كلمتها بس هي رفضت.

أوضحت «زهرة» وهي تعدل وضعيتها:


-​والله يا «شمس» ألحيت عليها تيجي معانا بس رفضت، بتقول مش هتقدر تسيب «جابر» أصله بعافية شوية و«محمد» مشغول.

​ربنا يشفيه يا رب.


قالتها «شمس» قبل أن تهب ناهضة عندما سمعت جرس الباب وسمعت صوت شقيقتها القادم من الخارج، لتنظر لـ «زهرة» مشيرة نحو الباب بابتسامة:


-​دي «هدى».


فتحت باب غرفة الضيوف تستقبلها بترحيب حار، كما رحبت بها «زهرة» بحفاوة قبل أن تنتقل «هدى» إلى خطيبة ابنها «سندس» التي رحبت بها بخجل لتسألها «شمس»:


-​أمال «حسن» فين؟ مش هيجي يسلم على خطيبته وحماته؟

قالتها بطريقة هزلية تربت على كتف «زهرة» بمزاح. مجرد ذكرهم لاسمه جعل حمرة الخجل تكسو وجه «سندس» وخفق قلبها بشدة بين أضلعها لترتعش يدها دون إرادة منها وهي تسمع إجابة «هدى»:


-​قاعد بره في الجنينة مع «سيف» و«أصيل».


جلسوا يتبادلون الحديث ويحتسون القهوة، و«هدى» تراقب «سندس» التي لم تنطق بكلمة واحدة، كانت تكتفي بإجابات مقتضبة على أسئلة توجهها لها، تخفي خلفها ارتباكاً هائلاً. وبعد مرور وقت قصير غمزت «هدى» لـ «شمس» تشير لها أن تسمح لـ «حسن» بالدخول، فهمت «شمس» إشارتها لتنهض متجهة نحو الخارج تستأذن من «زهرة» كي تنادي عليه.


زاد ارتعاش قلبها الذي كان يماثل ارتعاش يدها الموضوعة على حجرها تفرك إحداهما بالأخرى، كأن الأرض تميد بها. انتبهت «زهرة» لارتعاشها لتوكزها هامسة:


_​اهدي مالك؟

عضت على شفتيها تخفي توترها الذي زاد حد الانهيار وهي تسمع نحنحته الخشنة يدخل قائلاً بصوت واثق:

​مساء الخير.

​مساء الخير يا بني.

قالتها «زهرة» برسمية.

​ازيك يا خالة؟

​الحمد لله.

هكذا رحب بـ «زهرة» قبل أن ينتقل بعينيه سريعاً نحو تلك الجالسة باستحياء جانبها وقال بنبرة أهدأ:

_​ازيك يا «سندس» عاملة إيه؟


أجابته دون أن ترفع عينها:


_​الحمد لله.


جلس أمامها يتأملها وخجلها يزيدها جمالاً في عينيه، يمنح اختياره يقيناً بصوابه. بضع جمل تحدث بها معهم لم تكن هي جزءاً من هذا الحوار، فقد كانت تشعر أن جسدها قد أصابته الحمى وحبات العرق تتجمع بكثافة على جبهتها رغم اعتدال الجو في المكان. رفعت يدها تمسح حبات العرق الطفيفة لينتبه لحركتها وقد تسارعت دقات قلبه هو الآخر. انتهى هذا اللقاء القصير حينما استأذنت «هدى» للمغادرة، تشير لابنها خلسة أن يتخلف قليلاً. انشغلت «زهرة» التي رافقتها نحو البوابة تندمج معها في الكلام، لينتهز هو هذه الفرصة الثمينة التي صنعتها والدته ليقترب منها يقدم بتردد لها حقيبة الهدايا:


_​اتفضلي يا «سندس» دي هدية بسيطة مني.


شعرت بالحرج ونظرت بوجل نحو والدتها، لكن صوته الدافئ جذبها إليه مرة أخرى. التفتت تنظر إليه باستحياء:


_​دي حاجة بسيطة يا رب تعجبك.


ارتعشت يدها وارتبكت لا تدري ماذا تفعل، لتمد يدها المرتعشة تلتقط منه الكيس بخجل، لتتسع عيناها بذهول وهي تجده ينحني مقترباً منها يهمس لها:


_​فيه ورقة مع الفستان يا ريت تقريها.


قالها قبل أن يسحب نفساً عميقاً يستنشق عطرها بشوق لآخر مرة قبل المغادرة، لتخرج كلماتها متلعثمة غلفها الحرج:


_​متشكرة.

لحظات ظل فيها يقف أمامها يروي شوقه لرؤيتها قبل أن يتركها مغادراً، يتركها بمشاعر مبعثرة. حمدت الله أن قدميها حملتها ولم تسقط مغشياً عليها من شدةالحرج


*************************

​انفردت مع والدتها في الغرفة التي خصصتها «شمس» لهم، لتري والدتها الفستان، وتعمدت إخفاء تلك الورقة المطوية التي لمحتها أسفل الفستان لتبتسم تنتظر بتوق الفرصة لتقرأ ما تحتويه. نال الفستان استحسانها كما نال استحسان والدتها رغم أن حجمه كان كبيراً بنسبة ضئيلة جداً لكنه كان رائعاً.

_​حلو أوي يا «سوسو» الواد «حسن» ذواق...


احمرت وجنتاها خجلاً ترى نظرات والدتها التي تطالعها بمكر، فابتسمت تخبرها:


-​أنا هروح آخد حمام قبل ما أريح جتتي.


وما إن دخلت والدتها للحمام حتى هرولت نحو الحقيبة بفضول تخرج تلك الورقة، لتتسع ابتسامتها ويرقص قلبها بانتشاء وهي تقرب تلك الورقة الغارقة بعطره من أنفها تستنشقها وكأنها تخزن رائحته في رئتيها كي تحفظها. فتحت الورقة لتقرأها حتى ما عادت قدماها تحملانها لتجلس تقرأ كلماتها بتمعن، وقلب أعلن جنوناً تشعر كأنه سيخرج من بين أضلعها:


-(ازيك يا «سندس» وحشتيني... كان نفسي أتكلم معاكِ لكن عارف إنك هتخجلي.. أكيد دلوقتي شفتِ الفستان، يا رب يكون عجبك، متحمس أشوفه عليكِ في الفرح، أكيد هيكون يجنن مش لأنه جميل لا لأن اللي هتلبسه أجمل بنت في الدنيا، القالب غالب زي ما بيقولوا. فيه كلام كتير نفسي أقوله لكن الكلام ضاع مني، كل اللي بفكر فيه دلوقتي عيونك الحلوة اللي مشتاق أشوفها وبسمتك الجميلة يا جميلة.. أتمنى يجي اليوم اللي نتجمع فيه سوى عشان أقولك على الكلام اللي في قلبي.. خلي بالك من نفسك يا ملاكي).


أنهت قراءة الرسالة لتمسك قلبها الذي يضرب أسوار صدرها بعنف كأنه سيغادر مكانه لا محالة. غمرتها مشاعر تجربها لأول مرة، وكلمات غزله تنعشها، قلبها البريء يتذوقها كطفلة تتذوق الحلوى لأول مرة فتتشبث بها. احتضنت الورقة لتغمض عينيها ومشاعر الحب تدغدغ قلبها وتعزف على أوتاره لحناً عذباً أطرب روحها النقية، تعلقها به بخيوط خفية تأسرها بسرعة تدخلها في عالم لذيذ كانت تجهله. رفعت الورقة نحو أنفها تستنشق عطره بهيام قبل أن تطويها بسرعة تدسها تحت وسادتها بسرعة عندما سمعت صوت والدتها تخرج من الحمام، لتدعي النوم ويدها تتسلل تحت الوسادة تقبض على الورقة كأنها أغلى كنوزها، وتسأل نفسها سراً:

-​هل هذا هو الحب الذي يتحدثون عنه؟

  الفصل الحادي عشر الجزء الثاني من هنا

تعليقات
تطبيق روايات
حمل تطبيق روايات من هنا



×