رواية بنات ورد الفصل الاول 1 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز
براعم الحب ❤️ 1
تعاقبت تلك السنين ومرت بحلوها ومرها، تبتسم لنا يوماً وتعبس آخراً، فخالط الشيب شعرنا وتجعد جلدنا، لكننا لم نفلت تلك الأيدي التي تمسكت بنا، ولم تتوقف تلك القلوب التي عشقت قربنا عن النبض بذلك الحب الذي خط طريق تلك الحياة وأضاءها لنسيرها معاً.
احتدم النقاش بينهم وتعالت الأصوات والأفكار المتناقضة، كل له وجهة نظره الخاصة. هزت رأسها بقلة حيلة؛ فذلك العنيد لازال يصر على وجهة نظره رغم أنها قد تناقشت معه كثيراً ووضحت له أسبابه، لكنه لم ييأس في إقناعها. ابتسامة جانبية زينت ثغرها وهي تجده يقف لها الند بالند، تعلم أنه ورث هذه الخصلة منها.
-"ما أنا قولتلك يا بني الموضوع دا أنا مش هقدر أعمله كدة، معناه إني هقصر على الكل؛ البيت والجامعة والمستشفى، أو إني أضحي بوجودي في الجامعة، وبصراحة أنا مش مستعدة لدا، أنا مرتاحة كدة."
زفر أنفاسه بعدم اقتناع وعاد يجد لها الحلول المناسبة عله يستطيع إقناعها، سند مرفقيه على فخذيه وبدأ يشرح لها بروية:
"بصي يا ماما، أنتِ ممكن تختصري أوقات العيادة على تلات أيام بس وتنسقيه مع شغلك في المستشفى."
توقف وعيناه مسلطة عليها يراقب إجابتها، لكنه استرسل عندما وجد استمرار صمتها:
"ماما، العيادة هتفرق معاكِ كتير، أنتِ اسمك معروف دلوقت والناس بقت تجيلك المستشفى بالاسم."
"سيف عنده حق يا ماما، اختصاصك مرغوب ويجنن وأنتِ شاطرة أوي ما شاء الله عليكِ."
التفت نحو شقيقته مبتسماً عندما أيدت حديثه، ورمش بعينيه يومئ لها لكي تسانده وتساعده على إقناعها:
"فعلاً قمر عندها حق، أنتِ شاطرة والعيادة هترفع اسمك وتثبت وجودك."
"أيوة يا ماما اسمعي كلام سيف، اختصاص الجلدية دلوقت بيدخل معاه الحقن والفلر والنضارة، يعني حاجة بقت مطلوبة خصوصاً الأيام دي، فكري يا ماما."
ساد الصمت لحظات، فتحركت حدقتاها يميناً ويساراً حتى انفرجت شفتاهما بابتسامة انتصار ظناً منهما أنها تفكر بكلامهما وربما قد اقتنعت، لكنها خيبت ظنهما عندما وزعت نظراتها بينهما وقالت ببرود أغاظهما:
"مقتنعتش.. الحكاية محتاجة وقت ومجهود وأنا مش مستعدة."
طالعها بنظرة يأس وعاد يبدأ محاولاته من جديد، لكن صوت قدوم والده وشقيقه أوقفه.
"خلاص يا سيف أنا مش مقتنعة."
هكذا أنهت جدالها معه، فصوت صاحب الخطوات القادمة شتت تفكيرها وجعل قلبها ينبض شوقاً لرؤيته واستقباله؛ تلك السنين الماضية أضافت متانة لذلك الحب وازداد تعلقهم ببعضهم.
لكن هناك خطوات مسرعة سبقت خطوات حبيبها لتجد ذلك المشاكس يقترب منها هاتفاً:
"دكتورة قلبي!"
وانحنى يقبل رأسها يخبرها من بين قبلاته:
"وحشتيني.. عاملة إيه يا قمر؟"
بادلته الابتسامة ويدها تتحرك على ساعده، فآخر أولادها "شريف" يمتلك لساناً معسولاً ويجيد الحديث بلغة "ولاد السوق" كما تصفه، فعمله مع والده أكسبه الخبرة واللباقة في الكلام.
"الحمد لله.. يا حبيبي."
"مساء الخير."
خفق قلبها لسماع صوته قبل أن تراه، وزينت ثغرها ابتسامة مرحبة. أشار لولده بالابتعاد عنها قائلاً بمزاح اعتادوا عليه:
"ابعد يا ولد عن حبيبتي."
ابتعد يلوح له معتذراً بحركة مضحكة ما جعل أشقاءه يبتسمون لفعلته وهو يعود إلى الوراء:
"أسف يا كبير، حقك عليا، تعديت الخطوط الحمراء والملكيات الخاصة."
"أيوة كدة الزم حدودك."
قالها فارس يشير له بالابتعاد والجلوس بجانب شقيقته التي اصطدم بجسدها بحركته المعاكسة، لتضرب كتفه تمازحه بسخرية، ليكشر وجهه بضيق لفعلتها وأبعد يدها بحنق جعلها تضحك على مظهره قبل أن تجلس تربع قدميها على الأريكة بجانبه.
اقترب فارس يجلس بجانب حبيبته يضمها ويقبل وجنتها بحب وهي ترحب به:
"الحمد لله على السلامة يا حبيبي."
"الله يسلمك يا روحي، عاملة إيه؟"
"الحمد لله."
استرخى بجلوسه بجانبها ويده تأسر جسدها لينظر إلى ولده الجالس بالقرب منها:
"أزيك يا دكتور؟"
ابتسم سيف لوالده الذي يحب دوماً مناداته بلقبه العلمي، يعلم شدة فخره به فلطلما كان يخبره بذلك:
"أهلاً يا بابا، الحمد لله يا حبيبي أنا بخير طول ما أنت بخير."
"تسلم يا بني.."
ثم أردف يعاتبه:
"طولت علينا المرة دي، بقالي يومين ماشفتكش."
أجابه متأسفاً يفسر له سبب غيابه:
"معلش يا حج حقك عليا، كان عندي نبطشية."
حرك رأسه بتفهم:
"ربنا يقويك يا بني."
انتقلت عيناه مرة أخرى نحو حبيبته يسألها بلهفته المعتادة وصوت خافت:
"عاملة إيه يا مشمش؟ وحشتيني."
رفعت عينيها نحوه تخبره بذات الصوت
المنخفض، رافقتها تلك الابتسامة التي يعشقها:
"الحمد لله.. وأنت كمان وحشتني أوي."
استغل سيف وجود والده ومعرفته بتأثيره عليها لكي يطرح فكرته، ربما يستطيع هو إقناعها، ليسرع في سؤاله:
"بابا إيه رأيك؟ كنت بحاول أقنع ماما إنها تفتح عيادة."
كان مندمجاً في الهمس معها وتأملها وهي تجيبه وتسأله إذا كان يريد تناول العشاء أو رغبته بشيء آخر عندما سمع سؤال ولده، ليخطف نظرة نحوه ويعود إلى النظر إليها يتحرى صدق ما سمعه ويعطيها رأيه الداعم في أي قرار:
"حبيبتي أنا ماعنديش مانع، اللي تأمري بيه؛ أحسن عيادة وفي أرقى مكان لو تحبي، اختاري أنتِ بس وميهمكيش."
تعلقت عيناها به وقلبها ينبض بحبه، ينعشها كلامه ومساندته لها في تحقيق أحلامها، عيناه التي تؤكد لها أنه معها وتسبق لسانه في دعمه وتشجيعه، فنظراته كانت رسائل صادقة أحاطتها ومنحتها قوة ومؤازرة. ضمت نفسها إليه، تسند رأسها على كتفه بعد أن فشلت الكلمات في التعبير عن مشاعرها، حتى أفسد اندماجهم ما قاله سيف:
"بس ماما مش موافقة ورافضة الفكرة."
عقد حاجبيه في دهشة ليمسك كفها ويسألها متحرياً:
"الكلام دا صحيح؟ طب رافضة ليه يا مشمش؟"
عيناها التي لم تحِد عن ناظريه رمشت أخيراً واعتدلت في جلوسها لتوضح له وجهة نظرها:
"حبيبي العيادة هتسبب ليا ضغط في الوقت ومحتاجة مجهود إضافي أنا مش هقدر عليه كدة، أنا مش هعرف أوفق بينها وبين المستشفى والبيت والجامعة."
لكن عاد ذلك العنيد لمحاولاته أمام والده عله يوافقه هو أيضاً:
"بس يا ماما تقدري تنظمي..."
لتقاطعه مباشرة قبل أن يكمل جداله المضني:
"سيف أنا مش هقدر يا بني كدا محتاجة مجهود، بعدين أنا مرتاحة كده."
"يا ماماااااا..."
هكذا تذمر على رفضها قبل أن توقفه نظرات فارس عن المواصلة ويحسم الأمر:
"خلاص يا سيف، مادام ماما رافضة هي أدرى بمصلحتها."
توقف مشيحاً وجهه عنهم عندما يئس من المواصلة في إقناعهم
**********************************" *
صوت مفتاحه في باب منزلهم جعلها تنتفض راكضة نحو الباب. فتح الباب ودخل مبتسماً، فقد كان على يقين أنه سيراها أمامه، وصدق حدسه عندما وجدها تركض نحوه وتلقي نفسها بين أحضانه باشتياق:
"بابا حبيبي ألف حمد لله على السلامة."
بادلها العناق بلهفة مماثلة فهي الأغلى على قلبه وأقرب أولاده إليه:
"الله يسلمك يا وردتي، وحشتيني."
خرجت من أحضانه ولازالت تحتفظ بتلك الابتسامة التي تزين وجهها ونظراتها تحتضنه بحب:
"أنت كمان وحشتني من إمبارح للنهاردة يا حبيبي."
"يا روحي، أهو الاستقبال دا نساني كل التعب، ربنا يحفظك ليا."
تأبطت ذراعه تقوده نحو الداخل كي يستريح، تخبره بما أعدته له:
"أمال لو تعرف إني عملتلك المكرونة بالبشاميل اللي بتحبها، والبسبوسة بالقشطة كمان، مستنياك عشان تعرف غلاوتك عندي يا أبو زياد."
أخرج لسانه يلعق شفتيه بتلذذ كأنه يتخيل مذاق تلك الأكلات، ويقول لها بامتنان وأصابعه تقرص خدها:
"الله.. الله.. عليكِ يا دودو، أكيد تجنن، تسلم إيدك مقدماً."
"بابي!"
صرخت بها أحلام وهي تركض نحو والدها مرحبة بلهفة، ففتح لها ذراعيه يستقبلها بين أحضانه:
"أحلام حبيبتي وحشتيني."
خرجت من أحضانه لتتأبط ذراعه هي الأخرى تخبره بتوق:
"وأنت كمان يا بابي وحشتني يا حبيبي."
ساروا نحو الداخل ليسألهم وعيناه تبحث عنها بقلق، فلقد اعتاد على استقبالها له هي الأخرى لكنها اليوم متغيبة، فخشي أن تكون مريضة:
"أمال ماما فين؟"
أشارت الفتاتان في آن واحد نحو غرفة النوم بنظرات بات يعرفها:
"في أوضتها."
سحب يديه من بين أيديهما وحرك يده على ظهر الاثنتين قبل أن ينحني يقبل وجنة ورد ثم التفت نحو أحلام وقبل وجنتها أيضاً وقال بأمر مثّل فيه الصرامة مازحاً وهو يرفع سبابته بوجه الاثنتين:
"هاروح آخد حمام، أطلع ألاقي العشا جاهز، مفهوم؟"
لترفع ورد يدها تضعها بجانب جبهتها كتحية عسكرية وتقول بذات المزاح:
"تمام يا فندم."
ليدخل الثلاثة في نوبة ضحك ثم توقفوا تباعاً ليضرب طارق وجنتها بخفة:
"يله وروني شطارتكم."
هرول الاثنتان نحو المطبخ بخطى سريعة وعيناه تتبعهما بشغف، ثم تحولت عيناه نحو باب تلك الغرفة وحبيبته القابعة خلفه، ليخطو نحوها خطوات متوترة حتى فتح الباب ليجدها تجلس على السرير تمسك هاتفها بيديها وعيناها شاردة في الفراغ أمامها. تنهد بضيق واتجه إليها، جلس بجانبها فلم تشعر بوجوده حتى نادى عليها:
"ندى.. حبيبتي."
صوته انتشلها من دوامة أفكارها لتنتفض وتحرك عينيها ملتفتة نحوه بفرحة تلفظ حروف اسمه بوله مندهشة:
"طارق!"
"أيوة يا روح طارق، وحشتيني."
رمت نفسها في حضنه تطوق جسده بيديها وتضم جسده بقوة كأنها وجدت ملاذها المنشود، وما إن لامس جسدها دفء أحضانه حتى انهمرت دموعها تشكو له كطفلة تشكو لوالدها:
"وحشني أوي يا طارق."
أحاط جسدها وتنهد بعجز وهو يحرك يده على ظهرها يحاول تهدئتها:
"اهدي يا حبيبتي بتعيطي ليه؟ هو أنتِ كلمتِ زياد؟"
حركت رأسها دون أن تنقطع دموعها، بل ازدادت شهقاتها وعلا نحيبها ليؤنبها مستنكراً:
"طب يا حبيبتي مادام اطمنتِ عليه لازمتها إيه العياط؟ ابنك مش عيل يا ندى دا دكتور، وبعدين هي مدة مؤقتة هيدرس وراجع."
أنفاسها الساخنة تسللت إلى جسده حتى لسعته، ودموعها رطبت ملابسه بعد أن فقدت السيطرة على حزنها. تلك الحالة من الانهيار جعلته يشفق عليها ويغضب منها في آن واحد، يعلم مدى تعلقها بولدها الغائب، ليخرجها من أحضانه عنوة يحيط وجهها بيديه يحرك إبهامه بلطف على وجنتها مزيحاً تلك الدموع التي أبت التوقف وعيناه مسلطة على خاصتها:
"ندى.. اللي بتعمليه دا غلط، دا لسه مسافر من شهرين ، هتستحملي الشهور الباقية إزاي؟"
أغمضت عينيها لتفيض تلك الدموع المتجمعة بين جفنيها وهي تهز رأسها بعنف رافضة قدرتها على التحمل:
"مش قادرة يا طارق وحشني أوي."
مزق قلبه مظهرها ليجذبها نحوه ويضمها يمسح على وجنتها بحنان محاولاً التخفيف عنها وأكمل تأنيبها:
"ندى أنتِ المفروض تشجعيه، ابنك عاوز يطور نفسه قبل ما يفتح العيادة، لازم يتدرب على التقنيات الجديدة والأجهزة اللي هتكون نادرة في اختصاصه، تقومي أنتِ تعملي كدة وتحبطيه؟"
لتخرج من أحضانه بسرعة تحرك سبابتها بنفي:
"لا يا طارق أنا مش بعيط قدامه بالعكس، دانا بعمل نفسي بضحك وأنا بتقطع من شوقي له عشان ميزعلش ولا يتقهر."
ضحك طارق على مظهرها وحبها المبالغ به لوحيدها ليحاول مشاكستها وهو يقرص خدها مادحاً:
"شاطرة يا ندوش.."
ثم تنهد بحسرة وقال متمنياً بعبوس مفتعل:
"يا ستي ياريت تحبينا ربع حبك لسي زياد اللي واخد حصة الأسد في قلبك."
فتحت عينها التي كانت تمسحها بكف يدها تحدق به بعد أن سمعت عتابه لتقول بصوت بحّ من شدة البكاء:
"أخص عليك يا طارق، زياد ليه حصة الأسد برضو؟ أمال أبوه إيه؟"
قلب شفتيه بتذمر ولوح بيده قبل أن تهبط على فخذه بامتعاض وكلمات تخرج بخيبة أمل أدهشتها:
"أبوه ليه ربنا."
اتسعت عيناها لتضرب كتفه بحنق ترددد حديثه حانقة:
"ليه ربنا.. كدة يا طارق؟ دانت مالك القلب والروح وأنت متأكد إن مفيش حد بغلاوتك عندي، دا أنت لو طلبت روحي مش هتغلى عليك، مستكتر عليا حزني على فراق ابني؟"
أنهت حديثها تشيح وجهها وتهم بالنهوض ليمسك معصمها ويمنعها جاذباً إياها لتجلس بجانبه من جديد مقبلاً رأسها ليرضيها ويقول باسماً:
"أنتِ كمان أغلى حاجة في حياتي يا ندوش."
التفتت نحوه بنظرات سريعة وقالت متهكمة:
"أغلى حاجة عندك وست ورد نسميها إيه؟ ولا هي حلال عليك حرام عليا؟"
قهقه ضاحكاً وزوجته تضع حبها لابنها في مقارنة لحبه لابنته التي تنافسها دائماً ولو كان مجرد مزاح:
"أغلى حاجة وست الكل وحبيبة قلبي وأم ولادي وعشرة عمري وبنت عمي... نقول تاني يا أم زياد ولا كدة حلو؟"
توردت وجنتاها برضى وهو يرفع يده يعد على أصابعه ألقابها، وعيناها تتحرك مع كل إصبع، وكلماته حملت معنى أجمل من الآخر، لتشق ثغرها ابتسامة عريضة أنستها أحزانها، فتدعو له بصدق:
"ربنا يحفظك ليا يا حبيبي."
أعادها لأحضانة يبادلها الدعاء بعشق عرفت كيف تزيده في سنين عمرها الماضية، فتسكن قلبه بلا منازع؛ فطاعتها وحبها وسندها ودعمها وتربيتها لأولادها كل هذا جعله يوقن أنها امرأة أحلامه.
"ويحفظك يا غالية."
********************************
وقف أمام المرآة يمشط شعره المبتل، ثم أمسك مجفف الشعر يجففه ويسرحه يحرك رأسه يميناً ويساراً قبل أن يطفئ الجهاز ويضعه جانباً. نظر إلى مظهره باستحسان وابتسم، التقط زجاجة عطره المفضل لينثرها على جسده قبل أن يعيدها مكانها، ينفض أكتاف ملابسه الرياضية المهندمة.
جلس يحاول ارتداء حذائه الرياضي وهو يدندن إحدى الأغاني التي التصقت في ذاكرته فرددها لسانه ليتأفف متذمراً:
"يخرب عقلك يا مرتضى، أهي الأغنية مش راضية تخرج من دماغي.. استغفر الله."
وعلى ذكر الأخير وجد هاتفه يرن باسمه، التقط الهاتف وأجاب عليه:
"ساعة كمان وأكون عندك يا كوتش، بس والنبي بلاش الأغاني البيئية، احترم إني الباش مهندس حسين الجوهري."
قالها يرفع أنفه ويشير نحو نفسه بفخر.
"يعني لما أتتمرن أسمع مهرجانات يا ناس.. بلاها أغاني، أنا بحب أفكر لما أتتمرن يا سيدي... ماشي استناني.. مع السلامة."
أمسك هاتفه ينظر إلى الشاشة وعيناه تلتقط بعض الإشعارات التي تفقدها باهتمام وأجاب على بعض الرسائل. وكاد أن يعيد هاتفه مكانه لكنه توقف لحظة وخانته أنامله لتتحرك إلى ذلك "الفايل" المخفي والمغلق برمز سري ليفتحه، يتمعن بتلك الصور المحفوظة فيه، أصابعه تمر عليها برقة وقلبه ينبض بعشق مكتوم لصاحبتها. تنقلت عيناه بين الصور بلهفة ليتنهد بشوق قائلاً:
"وحشتيني أوي يا حبيبتي، امتى يجي بكرة وأشوفك؟"
حلم عاش وكبر معه منذ الطفولة ليصبح جزءاً من كيانه؛ حب عذري احتفظ به لنفسه حتى إنه لم يجرؤ على إخبار صاحبته ولا سمح لأي أحد بمعرفته، رغم أنهم لو دققوا لمحوا روحه التي تبتهج برؤيتها وقلبه الذي يرقص في صدره لو نظر إليها، لكنه عاهد نفسه أن يظل يحتفظ بسر حبه حتى يصبح حقيقة يوماً ما.
أغلق الهاتف ونهض على أمل لقائها غداً. نزل السلالم يدندن تلك الأغنية التي علقت في ذهنه، قدماه تتحركان بتناسق على تلك الدرجات الرخامية، يرفع أكمام ملابسه ويرتدي ساعته الإلكترونية حتى وصل إلى آخر درجات السلم، ليتلفت وعيناه تبحثان عنها، ليجدها تجلس في تلك الصالة الكبيرة أمام التلفاز تشاهد برامج الأزياء والموضة؛ عمرها الذي تعدى السبعين لم يمنعها من تلك البرامج التي تستهويها.
اقترب يبتسم ويهز رأسه مستغرباً اندماجها بجهاز التحكم الذي يهتز بين يديها مع مشاهد العارضات، وعيناها لا تحيدان عن شاشة التلفاز لشدة تركيزها:
"صافي حبيبي، عاملة إيه يا قمر؟"
صوته انتشلها من اندماجها لتلتفت نحوه مبتسمة وعيناها معلقتان به حتى جلس بجانبها ينحني يقبل يدها:
"سونه حبيبي أنت خارج؟"
هكذا سألته ويدها تمسح على وجهه بشغف:
"أيوة يا حبيبي، رايح الجيم وراجع."
"مش هتتعشى؟"
"لا هاكل حاجة خفيفة لما أرجع، متشغليش بالك."
ثم التفت نحو التلفاز يبتسم ابتسامة بسيطة، ثم رفع نظره نحو الساعة المعلقة وعاد بنظره ليستقر على وجهها:
"الباشا الكبير زمانه على وصول.. الحق أمشي قبل ما يلقطني وآخد محاضرة معتبرة عن الخروج بالليل."
ضحكت صفاء ثم وضعت يدها على كتفه:
"مش بس أنت، أنا كمان هاخد محاضرة عن سوء التربية."
شاركها الضحك يؤيد حديثها بإيماءة وقال:
"عندك حق، أهو أنتِ يا تيتة بتدفعي تمن حبك ودلعك ليا، نعمل إيه نستحمله يا صافي عشان خاطر ابنه."
ارتفعت ضحكات صفاء لتضربه بخفة على فخذه:
"طب ما تعقل أنت وتخلصنا من كلامه."
جذب يدها يقبلها من جديد يخبرها معتذراً:
"كان نفسي صدقيني، بس أعمل إيه اتعودت على الدلع يا روحي."
ثم نهض يقبل رأسها بحب، فهي جدته التي ربته وكانت له بمثابة أم، ولم تكتفِ بذلك بل حققت له أحلامه بعد أن أنشأت له مكتباً هندسياً من مالها الخاص حتى يزاول مهنته.
"ابقى شقر على مامتك، سألت عنك."
"ماشي، أنا كنت رايح لهم قبل الجيم، البت لوكا عملالي شغل تحفة كنت عاوزه أشوفه."
ربتت صفاء على يده الممسكة بيدها وقالت تدعو له:
"ربنا يرضى عنك يا حبيبي."
"حبيبتي يا صافي، عاوزة حاجة أجبهالك وأنا راجع؟"
"تسلم يا حبيبي."
هكذا ودعها مغادراً نحو منزل والديه المجاور لمنزل جديه.
دخل منزل والديه لتهرول نحوه شقيقته التي كانت تجلس في حديقة المنزل أمام حاسبها المحمول، لتغلقه عندما أبصرت دخول شقيقها وتهرول نحوه تستقبله:
"حسين!"
"لوكا حبيبتي."
أحاط كتفها يسحبها وسار بجانبها بعد أن حملت حاسوبها واحتضنته ليدخلا إلى المنزل، فترحب به والدته بشوق بمجرد أن لمحته:
"حسين أهلاً يا حبيبي، عاش من شافك."
اقترب منها حتى أصبح أمامها، انحنى نحو الأمام يقبل رأسها:
"أهلاً بيك يا ست الكل."
لكنها باغتته عندما أمسكت مقدمة ملابسه تجذبه نحوها، تحرك أنفها على صدره وعنقه تشمه وسط دهشته:
"إيه يا ماما فيه إيه؟"
أفلتته بغضب فارتد جسده إلى الوراء معتدلاً ينظر لها بتعجب، لتوبخه بحنق قائلة:
"أنت لسه بتشرب السجاير؟ مش وعدتني تبطل الهباب دا؟"
تنهد بضجر وقال موضحاً لها أسبابه الواهية بالنسبة لها:
"يا ماما هو أنا لما أبطل هبطل على طول؟ مش لازم أقلل شوية شوية، أهو أنا بشرب سيجارة بالليل وسيجارتين الصبح بعد ما كانوا أكتر."
نظرت له نظرة جانبية دلت على عدم اقتناعها بحديثه، ثم تهكمت قائلة:
"تقلل؟ لا مهو واضح."
رفعت صوتها بغيظ حاولت كتمانه لكنها لم تستطع:
"أنت بتضحك عليا؟ ريحة اللي معبية هدومك دي بتاعة سيجارة واحدة؟ دا ولا كأنك كنت في مدخنة."
تحمحم بارتباك فقد صدقت، فخطواته القليلة إلى منزلهم حرقت سيجارتين على الأقل، لكنه أصر على تكذيبها بثبات اصطنعه:
"يا ماما صدقيني هي واحدة."
"يووه يا ماما ما قالك واحدة، تعالى يا سونا أوريك الفيديوهات."
هكذا أنقذته شقيقته مليكة وأنهت نقاشه العقيم معها وهي تمسك يده وتجذبه نحو مائدة الطعام، جلست تضع حاسوبها عليها ليسحب الاثنان كرسيين وجلسا يتفحصان الفيديوهات، وعينا هدى تحدقان بهما بغيظ وعدم رضى.
انحنت نحوه مدعية أنها تريه فيديوهاتها لتهمس له لائمة:
"يعني مقدرتش تصبر لحد ما تخرج من هنا؟"
"وأنا إيش عرفني إني هتقفش منها؟ دا أنا هربت من جدو عشان أمي تمسكني."
تعالت ضحكات مليكة وهي تتمتم بخفوت:
"تستاهل عشان تبطل."
ضرب رأسها بخفة وقال بضيق مشيراً نحو حاسبها:
"ملكيش دعوة يا لمضة، ويلا وريني الفيديوهات."
ضغطت على أزرار التشغيل وبدأت تتنقل بين ما صنعت، وعين حسين تتابع بترقب واستحسان حتى انتهت، تلتفت نحوه مستفسرة:
"ها إيه رأيك؟"
ليجيبها بانبهار لم يخفَ عليها، فعيناه كانتا تظهران رضاه:
"تحفة يا بنتي أنتِ فعلاً مبدعة، أهي كلية الذكاء الاصطناعي جايبة نتيجة."
أمسكت ياقة بيجامتها ترفعها بفخر:
"أمال أنت فاكر إيه يا باش مهندس؟ دا أنا مليكة الجوهري، يعني أكيد شغلي هيكون بيرفكت."
ثم استدارت نصف استدارة كما فعل هو، يسند يده على ظهر الكرسي لتواجه عيناه عينيها:
"بس تعرف فيديوهاتك وفكرة التسويق حلوة أوي، فكرة بروفشنال برافو."
دعك جبهته يفكر في حديثها قبل أن يسألها:
"تفتكري هتنجح؟ أنا عندي أمل في الميديا أوي، دي بقت السوق المفتوح النهاردة."
"عندك حق، التسويق والميديا فتحوا مجالات جديدة، إن شاء الله هتنجح."
ضرب على كفها يسألها:
"حسابك كام يا أستاذة؟"
ادعت الخجل واعتدلت في جلوسها تشبك كفيها أمامها وتحرك رأسها بنفي:
"لا عيب، أنا آخد من أخويا الكبير تمن شغل؟ لا أكيد لا."
"يا ستي دا تعبك، بقالك أسبوع وأنتِ بتشتغلي، تلاقيكِ انشغلتِ عن مذاكرتك كمان، أهو اعتبريني الزبون الأول."
لتلتفت نحوه بسرعة تنزع عنها قناع الخجل:
"أنت كريم وأنا أستاهل."
مط شفته باستياء وقال مستهزئاً:
"هو دا اللي أخويا وعيب؟ أمال لو مش عيب يبقى إزاي؟"
"البزنس مفهوش أخويا وابن عمي، على رأي عمو فارس."
لوى شفته بسخط يكرر حديثها ساخراً قبل أن يستسلم:
"عمو فارس وأخويا وابن عمي.. ماشي يا ستي."
"مساء الخير."
كان هذا صوت شقيقهم الثالث حسن الذي اقترب منهم بخطى مجهدة، يوزع نظراته بينهم:
"مساء النور... أزيك يا حسن؟"
ليجيبه باقتضاب:
"أهلاً يا حسين، أزيك؟"
"الحمد لله."
عينه تعلقت به وهو يقول بوجه جامد وصوت يشوبه الجدية:
"عن إذنك أروح أستريح."
ليشير له:
"خد راحتك يا حبيبي، أنا كمان شوية وماشي."
ابتعد بخطى بطيئة، ليدنو حسين من مليكة يسألها:
"هو حسن ماله؟ تعبان من حاجة؟"
رفعت كتفيها بعدم معرفة وأجابته بلامبالاة:
"مش عارفة يا عم، أنت عارف حسن طول عمره قالب البوز ولابس وش خشب."
أومأ برأسه متفهماً، يعلم صدق حديثها، فأخوه طالما امتاز بجديته.
****"" "" ********************
دخلت غرفة شقيقتها لتجدها تجلس على سريرها تثني ركبتيها وتمسك هاتفها تكتب عليه كأنها تتحدث مع أحد، فتبتسم تارة وتضحك أخرى، ثم تعقد حاجبها بعبوس. كانت منشغلة في محادثتها ولم تشعر بدخولها، فنادت عليها:
"أحلام، بتكلمي مين؟"
رفعت نظرها نحوها ثم عاد تسلطه نحو شاشة هاتفها بترقب، تجيبها ببرود:
"شريف."
زفرت أنفاسها بضيق واقتربت تجلس أمامها على حافة السرير لتؤنبها:
"تاني يا أحلام؟ هي ماما مش منعتك؟"
رفعت نظرها نحوها لكن هذه المرة كانت نظراتها ساخطة يملؤها العناد:
"وأنا ميت مرة قلتلكم شريف صاحبي الأنتيم، دا إحنا صحاب من أيام ابتدائي وإعدادي وثانوي؛ مدرسة واحدة وتخت واحد مفترقناش عن بعض، ضيفي الجامعة كمان، يعني زي أخويا وطول عمرنا سوا، إزاي دلوقتي عاوزيني أبعد فجأة عشان تخرجنا؟ دا يعرف كل حاجة عني أكتر من نفسي."
نظرت لها نظرة حيرة قبل أن ترفع يدها تضعها على ركبتها تحاول أن تقنعها بهدوء:
"يا حبيبتي أنا فاهمة إنك بتعتبريه زي أخوكي أو صاحبك، بس ماما رافضة الفكرة دي وبتقول مفيش صحوبية بين ولد وبنت حتى لو كان ابن عمها، وبصراحة يا أحلام ماما عندها حق."
زفرت أنفاسها متأففة بغضب تخبرها بحدة تزامنت مع تحريكها ليديها مستنكرة:
"وأنا مليش دعوة بتفكيركم دا، أنا وشريف صحاب، طالما علاقتنا مفيهاش تجاوز يبقى مالكمش حق تعاتبوني."
تنهدت بيأس قبل أن ترمقها بقلة حيلة وتقول محذرة:
"بس خلي بالك، ماما مش هترضى ولا هتسكت."
لتزداد وتيرة أنفاسها بتحدٍ وقالت بإصرار:
"أنا مش غلطانة يا ورد."
نهضت ورد بعد أن تعبت من إقناعها، تخطو خطواتها نحو الخارج حتى وصلت إلى الباب وعين أحلام تراقبها، لتلتفت نحوها قبل أن تغادر:
"ربنا يهديكِ وتقدري تقنعي ماما إنك مش غلطانة."
ثم استرسلت تخبرها بحنق:
"بس أنتِ غلطانة يا أحلام."
خرجت تغلق الباب بعدها بقوة كأنها تبلغها اعتراضها على هذه العلاقة هي الأخرى. رفعت أحلام يدها نحو فمها تقضم أظافرها بقلق تفكر هل حقاً هي مخطئة؟ لكن رنين هاتفها الذي تعالى يخبّرها بوصول رسالة، التقطته لتجد الرسالة منه، فتنسى قلقها وتبتسم تعاود اندماجها في الحديث معه.
*******************************
تسللت يده تحيط خصرها جاذباً إياها نحوه، يضمها إليه، ما جعلها تنظر إليه بابتسامة خجلة وهو يتودد لها أمام أولاده غير مكترث بوجودهم. تنهدت بحرج فلم يغيره الزمن مهما لفتت نظره لوجودهم، تذمر رافضاً تمنعها. شعر بمحاولتها التملص والابتعاد ليضغط بيده على جسدها أكثر معلناً إصراره، ثم انحنى يهمس لها بتحدٍ:
"متحاوليش تبعدي."
اختطفت نظرة حرجة تشير له نحو أولادها كأنها تنبهه:
"فارس!"
ليجيبها ببرود ويحرك حاجبيه بعدم مبالاة لتحذيرها:
"عيون فارس."
نظرت له بقلة حيلة لتتورد وجنتها وهو يغمز لها مبتسماً قبل أن يحرك شفته بكلمة:
"بحبك."
مشهد رسمه في الماضي ليعيشه في الحاضر كما تمناه، غافلين عن تلك العيون التي تترصدهم خلسة، يمنعهم الحياء من التمعن والمشاكسة. ليدنو شريف، الذي كان يدعي مشاهدته التلفاز، من قمر وانحنى مبتسماً بفكاهة يهمس لها:
"شايفة أمك وأبوكِ رافضين يعدوا مرحلة البدايات، مش يراعوا السنجل البائس اللي قاعد معاهم؟"
كتمت قمر ضحكتها بصعوبة لتعقب بهزل:
"دا حب أصيل يا بني، اتعلم يا بائس."
ثم تنهدت بحسرة وقالت بتمنٍ:
"أوعدنا يا رب."
************************'' ''
كان داخل غرفته يتمدد على سريره مستعداً للنوم، يضبط منبه هاتفه ثم يضعه جانباً، جاورته في سريرهما ليبتسم يفتح ذراعه لها لتتوسد صدره كما اعتادت. أحاط جسدها بذراعيه وضمت هي جسده أيضاً ليسألها:
"مشمش؟"
همهمت مجيبة:
"ممممم."
أخذت يده تتحرك على خصلات شعرها ترافق حركتها كلماته:
"هو أنتِ ليه رافضة حكاية العيادة؟"
أجابته بصوت ناعس:
"ما أنا قولتلك أسبابي."
"بس أنا عارف إنك تقدري ترتبي وقتك زي ما قال سيف، أنا مرضتش أعارض قرارك قدامه، لكن أنا شايف إنك تقدري، ومادام فيها حاجة مفيدة ليكِ ليه لا؟ وأنا يا ستي مستعد زي ما قولتلك أفتحلك عيادة في أي مكان تختاريه."
قاطعت حركة يده عندما رفعت رأسها تسند ذقنها على صدره، تنظر لعينه التي أخفضها كي تلتقي بعينيها:
"بصراحة هو فيه سبب تاني."
تنبهت حواسه يحدق بها بترقب ينتظر معرفة أسبابها:
"وإيه هو؟"
حركت يديها تضعهما تحت ذقنها المسنودة على صدره تشمله بنظرة عاشقة:
"بصراحة أنت السبب.. أنا مش عاوزه أبعد عنك ولا حاجة تشغلني عنك، أنا رتبت حياتي عشان نكون مع بعض دايماً؛ الأيام اللي نبعد فيها لما تسافر أو يكون عندي شغل بحس فيها إني ضايعة، مش عاوزة حاجة تيجي تلخبطلي حياتي أو تتسبب ببعدنا عن بعض."
ابتسمت وهي تشعر بنبضات قلبه المتسارعة أسفل يدها متأثراً بحديثها، ليجذبها ويضمها إلى صدره بقوة كأنه يحاول أن يخبئها بين أضلعه، يخبرها بهيام إثر كلماتها:
"بحبك يا شمسي.. بحبك وبعشق حبك ليا يا روحي."
"أنا كمان بحبك، بحبك أوي يا فارس."
خفف من ضغطه على جسدها وقال:
"بس مش عاوز أكون سبب..."
بترت جملته بسرعة وقالت تمحو مخاوفه:
"فارس أنا مرتاحة كدة..."
تنهد بارتياح:
"براحتك يا حبيبتي."
ساد الصمت لبرهة واعتدلت مبتعدة قليلاً عنه:
"بكرة هنجتمع عند عمي حسن زي ما اتعودنا، هنقلهم على الفكرة اللي اتفقنا عليها؟"
"أكيد، ويارب يوافقوا
يتبع.....
