رواية بنات ورد الفصل الثاني 2 الجزء الثاني بقلم رشا عبدالعزيز
براعم الحب❤️ 2
صخب الضحكات تعالى، وحديث امتزج بين الماضي والحاضر؛ أجيال مختلفة كل له لونه وأفكاره، وتشكلت حلقات منزويه من الأشخاص اندمج أصحابها بحوارات معينة.
ابتسم وعيناه تتنقلان بينهم، يبصر ألفة هذه العائلة التي كان يصر على اجتماعهم بين الحين والآخر منذ وفاة والده وشقيقه من بعده، وهو يعد نفسه الأمين عليها بعدهم.
أخفض عينيه نحو يده الموضوعة على حجره، والتجاعيد تملؤها ترسم عليها سنين عمره المتقدم، وأوردته البارزة تخبره بشيخوخته. لقد مضى العمر ولم يتبقَّ الكثير. اختطف نظره نحو أحفاده وولده وأبناء إخوته كأنه يحصيهم، وزوجته التي شاركته تلك المسيرة، ليتنهد بعجز وأمنيته اليوم أن يطيل الله في عمره ليطمئن على تلاحم هذه العائلة من بعده.
"حسن باشا الجوهري، عراب العيلة الكبير".
سمعها قبل أن يشعر بتلك اليدين تحيط كتفيه، ويميل صاحبها يقبل وجنته بحب. ابتسم لصاحب ذلك الصوت الذي تيقن من هويته، فلم يكن سوى حفيده المدلل.
"أهلاً بحسين ابن علي البكاش".
ابتعد عنه مستديراً حتى أصبح بجانبه ينظر له مبتسماً، وعاتبه بلطف مدعياً انزعاجه:
"أنا بكاش؟! ده أنت حبيبي".
ليهتز جسده فجأة عندما ضربه أحدهم على ظهره، ولم يمهله الالتفات ليضم جسده معتصراً إياه بقوة، ثم أمسك أذنه يجذبها ليغلق إحدى عينيه متأوهاً:
"هو الواد ده مضايقك بحاجة يا عمي؟ أملصلك ودانه؟".
"آه... آه... عمي فارس، ليه كده؟ ده أنت الغالي، أنت هتقلب عليا!".
ضحك فارس كما ضحك حسن وهو يحتضنه مربتاً على ظهره بحنان أبوي:
"وأنت كمان غالي عليا يا ابن علي".
"حبيبي شيخ الشباب".
أخرجه من أحضانه يسأله عن أحواله، وحسين يجيبه بعملية ويتناقش معه بذكاء، طالما أطرى عليه فارس بالمدح.
*********************
اجتمعت تلك الفتيات وأمهاتهن داخل المطبخ يعدون الطعام، وأخذت كل واحدة منهن دوراً. التفتت ندى نحو ورد تأمرها:
"ورد، خدي الأطباق ورصيها على السفرة أنتِ وقمر".
تقاسمت عدداً من الأطباق الفارغة هي وابنة خالتها، وحملتاها بحذر نحو الطاولة. بدأتا في توزيع الأطباق وسط مزاحهما. أخذت تضع طبقاً أمام كل كرسي حتى رفعت عيونها بعفوية لتتسمر عندما وقعت عيناها عليه، ليخفق قلبها بقوة. تجمدت يدها تمسك بالطبق الذي كاد ينزلق لولا قمر التي تداركت الموقف قبل سقوطه وتحطمه.
"حاسبي يا ورد!".
رمشت عينيها تحاول استعادة توازنها عند سماعها لصوت قمر التي اندهشت من حالتها، لتنظر إلى حيث كانت عيناها معلقتين، لتهز رأسها بقلة حيلة وهي تبصر شقيقها الجالس في مكان قريب من الطاولة.
عادت ورد تحاول أن تشغل نفسها في ترتيب الطاولة، تتحرك بحرج بعد أن رأت قمر تنظر نحو شقيقها وتعود لتنظر نحوها تهمس لها بخفوت، فتخرج كلماتها بلوم ولو كانت نبرته فكاهية:
"والله يا ورد أنا مش عارفة عاجبك إيه في سيف، ده حتى قفل ومعقد!".
يدها التي كانت تحمل الملاعق هبطت على الطاولة بعد أن خانها ثباتها المزعوم، وهي تشعر بالعجز أمام تلك المشاعر اليتيمة، فسيف لم يشعر بها يوماً أو حتى يلتفت لها، رغم أنه كان قريباً منها في طفولته، إلا أنه بدأ يبتعد شيئاً فشيئاً وأصبح يعاملها بحدود التحية وأولاد العمومة فقط.
تنهدت بحسرة بعد أن طال صمتها، ورفعت عينها نحو قمر التي كانت تشعر بالأسى لأجلها، فورد ليست ابنة عمها فقط بل صديقتها المقربة وكاتمة أسرارها، لتستمع لها بحزن وهي تخبرها بصوت مخنوق:
"غصب عني يا قمر، من ساعة ما وعيت على الدنيا معرفتش غيره وقلبي مدقش غير له".
هزت رأسها تحاول نفض تلك الغصة التي بدأت تخنقها حتى لمعت الدموع في عينها، لتسرع بوضع الملاعق بإهمال وترسم ابتسامة مجروحة تداري خلفها خيبتها، وتغير الموضوع وهي تخطف نظرة سريعة نحو قمر وتلتفت نحو المطبخ تمثل عدم المبالاة الزائفة:
"هروح أجيب أطباق تاني، دول مش هيكفوا".
خطت خطواتها السريعة تهرب من أمامها. نظرت إلى أثرها وتنهدت بيأس. عادت تلملم تلك الملاعق وتوزعها عندما اقتحم سكونها صوت تبغضه بشدة ينادي عليها بلهفة:
"قمر بنت خالتي، إزيك؟".
زفرت أنفاسها متأففة وواصلت ما كانت تفعله دون أن تلتفت إليه أو تجيبه، ليعاود مناداتها ظناً منه أنها لم تسمعه أو هكذا أوهمه قلبه العاشق لها:
"قمر، إزيك؟".
أجابته باقتضاب مع استمرارها بما تفعل دون الالتفات له:
"أهلاً يا حسين".
"تحبي أساعدك؟".
قالها يقترب منها ممسكاً بعض الملاعق الموضوعة جانباً، لتلتفت نحوه هذه المرة بسرعة وتنتزع تلك الملاعق من يده بعنف:
"ملوش داعي، روح استريح أنا هكمل".
ابتسم لها وقال يمازحها:
"ما تسيبيني أساعدك، أنتم مش دايماً بتنادوا بالمشاركة بين الرجل والمرأة؟ إيه غيرتوا رأيكم؟".
تنهدت بضيق تشتمه بأقبح الشتائم في سرها، فهي لا تتحمل ثرثرته الدائمة ولا ابتسامته؛ كم تود لو تصفعه وتمحي تلك الابتسامة السمجة. تمتمت بهمس:
"يخرب بيتك غتت أوي وتافه". ثم رفعت صوتها وهي ترسم ابتسامة متهكمة: "لا متشكرة".
لا يعلم لماذا هو أمامها يتلاشى تعقله واتزانه، يحاول أن يطيل الحديث فقط فينعم بقربها، فآه من ذلك الذي يخفق لرؤيتها ويتمنى قربها. مد يده يمسك طرف الملاعق التي تمسكها بعناد ويقول محافظاً على ابتسامته:
"متتكسفيش يا بنتي عادي، أنا متعود أساعد ماما صفاء".
إلحاحه أثار غضبها وكادت أن تصرخ في وجهه تخبره أن يتركها وشأنها، لكنها لجمت غضبها وقالت له مستنكرة، تفلت يدها عن الملاعق التي أصبحت ما بين قبضته وقبضتها:
"جرى إيه يا حسين؟ ما قولتلك مش محتاجة مساعدة، روح اقعد جنب أخوك".
قالتها وهي تلتفت تشير له نحو شقيقه الجالس بوقار يتحدث مع شقيقها. يدها التي أشارت نحوه جعلت عينها تتجه نحوه بتلقائية ليتبدل حالها، فيخفق قلبها وتتسارع أنفاسها لرؤيته، فهو من ملك قلبها منذ الصغر. يا إلهي كم يمتلك شخصية قوية وحضوراً مهيباً عكس هذا "الغبي" الذي يقف بجانبها! لتتنهد محاولة التحكم بتلك المشاعر التي اجتاحتها لرؤيته، وبلا وعي عاد عينها إلى حسين لتسأله مستهجنة:
"أنا مش عارفة يا أخي أنتم توأم إزاي؟! هو هادئ وأنت حياتك كلها هزار... غريبة!".
ضحك حسين وهو يرفض الانصياع لها، يرتب الملاعق ويجيبها:
"بيقولوا عشان هو ربته ماما هدى فطلع رزين وهادي زيها، وأنا ربتني ماما صفاء فطلعت مدلع... آدي يا ستي كل الحكاية".
لوت شفتها بسخط وقالت مستهزئة بعد أن وجدته ينهي ما أصر على فعله:
"طب يا سيدي، أديك خلصت، متشكرين".
لينظر لها بلهفة يسألها عله يكسب مزيداً من الوقت معها:
"محتاجة حاجة تانية؟".
"لا... أنا أصلاً راجعة المطبخ".
إجابة سريعة ومختصرة قطعت عليه حبال الأمل وهو يراها تبتعد عنه وتتجه نحو المطبخ، وقلبه معلق بها يتراقص بين أضلعه بعد أن روى شوقه لها ببعض الكلمات وتلك اللحظات القليلة التي أطفأت نار حنينه لها.
****************
دخل يلقي التحية على الجميع لكن عينيه تبحث عنها بشغف، حتى اتجه نحو ابنة خالته الصغيرة التي كانت تحمل الطعام نحو المائدة يسألها عنها:
"أحلام فين يا مليكة؟".
وضعت الطعام على المائدة والتفتت برأسها تشير له نحو المطبخ:
"أحلام في المطبخ".
وقبل أن يتجه نحو المطبخ هاتفاً باسمها وجدها تخرج من باب المطبخ تحمل بعض الأشياء تتجه نحوه. التقت عيناه بعينيها لتتسع ابتسامته ويتجه نحوها بخطى متلهفة:
"أحلام، تعالي شوفي".
قالها يخرج هاتفه من جيب بنطاله. عقدت حاجبيها بدهشة وهي تسأله:
"فيه إيه؟ وتوريني إيه؟".
أخذ منها الأشياء التي كانت تحملها ليضعها على المائدة بسرعة ويجذبها لتسير خلفه متعجبة. تذمرت على فعلته تخبره بحنق:
"يا ابني واخدني على فين؟".
التفت لها بنظرة سريعة ثم أشار لها نحو الأريكة القريبة:
"تعالي بس اقعدي هنا".
سبقها يجلس ويشير لها لتجلس بجانبه. إصراره أثار فضولها لتجلس وتلتفت إليه وهو يشهر شاشة هاتفه أمامها يريها صورة لاثنين من زملائهم قد ارتبطا حديثاً. التقطت منه الهاتف تتمعن في تلك الصور وعيناها تتنقلان بين تفاصيلها، تكبر الصور ثم تعيدها إلى وضعها الطبيعي. كان يراقب ردة فعلها بترقب، وحالما انتهت رفعت عينيها عن الهاتف ونظرت إليه تخبره بانتصار:
"مش قولتلك؟ عشان تصدق كلامي بعد كده.. قلتلك معجب بيها قلت لأ هو عينه زايغة".
ضحك فقد توقع حديثها مسبقاً وقال يؤيد حديثها:
"تصدقي عندك حق، طلعتي بتفهمي يا مفعوصة".
ضربت كتفه بانزعاج وهتفت توبخه:
"بس، متقولش مفعوصة!". ثم استرسلت حديثها تلوح له بيدها تذكره بمشاهد من الماضي: "بعدين ده كان واضح أساساً، مش فاكر اتخض عليها إزاي لما اتعورت في رحلة؟".
قلب شفتيه يرفع أحد حاجبيه مستنكراً:
"ما أنا كمان اتخضيت عليها يا أحلام".
لكمت ذراعه بضيق ليرتد إلى الوراء ضاحكاً على حنقها:
"عشان أنت قليل الأدب مابتصدق تعمل نفسك هيرو قدام البنات، لكن هو كان خايف عليها بجد".
أمسك ذراعه يدعكها ينظر لها بيأس مستسلماً لأفكارها يهز رأسه:
"لا أنتِ عندك حق، من هنا ورايح هصدق كلامك يا لوزة".
أومأت بارتياح وقالت تجاريه:
"برافو عليك يا شاطر".
تعالت ضحكاتهما التي تبادلاها وهما يقلبان الصور يشاهدونها سوياً منتقدين الكثير من التفاصيل. تلك الضحكات وصلت إلى مسامعها لتقف تحدق بهم بعين غاضبة متوعدة ابنتها التي ترفض الانصياع لنصائحها أو الالتزام بأوامرها.
لكن هذا المشهد لم يجذب انتباهها هي فقط، بل جذب انتباه ابنتها التي رأت احتقان وجهها وعينها مسلطة على تلك التي اندمجت بالحديث مع ابن عمها رغم تحذيراتها لها بالأمس.
"ماما".
صوت ورد ويدها التي أمسكت ذراعها جعلها تلتفت نحوها تسألها بامتعاض، تجز على أسنانها وتخرج كلماتها الغاضبة من بينها:
"أنا مش قولتلك تنبهي على الزفتة دي تنتبه لتصرفاتها؟".
اختطفت نظرة نحو شقيقتها وأخفضت عينها تهرب من عين والدتها المصوبة نحوها تجيبها بقلة حيلة:
"والله يا ماما قولتلها بس مفيش فايدة". ثم أردفت تضغط على ذراعها برجاء تتوسلها: "ماما وحياتي، من غير عصبية، خلي العزومة تمشي بسلام وابقي حاسبيها لما نرجع".
قبضت على يدها بقوة تخرج غيظها منها، لتزفر أنفاسها الغاضبة تنظر لها متوعدة قبل أن تنفض يد ورد وتتركها تنظر لشقيقتها وعنادها بعجز، وتدعو الله أن تسيطر والدتها على انفعالها.
**************************
كان يدعي الانتباه لما يدور من حوله، لكن الحقيقة أن عقله في مكان آخر؛ فلا يزال حديث صديقه وليد عالقاً في ذهنه، يرن في عقله كناقوس الخطر وهو يخبره عن إحدى مغامراتها مع فتاة كانت زميلة لهم، تلك العلاقة التي استمرت ثلاث سنوات أبيح فيها كل المحرمات، من اللقاءات وتبادل الصور لمس اليد وربما تعدت حدود ذلك.
ابتسامة جانبية ساخرة ارتسمت على فمه وهو يتذكر حديث وليد وتبريره بأن هذه العلاقة كانت "بريئة" فهي لم تصل إلى العلاقة الجسدية، ليغلي دمه بانفعال وهو يتهكم على حديثه؛ كيف يصفها بالبراءة وهي تعدت جميع الحدود الدينية والأخلاقية؟ فالفتاة خانت ثقة والديها وهو خانها عندما ائتمنته على نفسها ووثقت بوعده الزواج منها ليتركها عند أول خلاف بينهم.
لكن زاد انفعاله أن هذه الفتاة قد تزوجت بشخص آخر منذ عدة أيام. عقله ضج بالأفكار السلبية وهو يتخيل: هل ممكن أن يكون جميع الفتيات هكذا؟ بماضٍ يحمل علاقات محرمة تحت مسمى الحب؟
شحب وجهه وهو ينظر إلى بنات خالاته وشقيقته اللاتي كن يتحركن أمامه، ترى هن أيضاً لهن علاقات مخفية؟ هل سقطن في براثن الحب الخادع وأشباه رجال استباحوا قلوبهن بلا رحمة واستغلوا سذاجتهن بوعود وهمية ليصبحن من ذوات الماضي المشوه؟
اختنق صدره لمجرد دوران تلك الفكرة في باله ودعا الله أن لا يكون تفكيره صحيحاً، وأن هناك من تحفظ ثقة أهلها وتلتزم بحدود دينها وأخلاقها تخاف الله في تصرفاتها.
"حسن... حسن..".
كان هذا صوت قمر الذي انتشله من دوامة أفكاره السوداء. اهتز رأسه كأنه ينفضها عنه، رفع رأسه ينظر إليها ليجدها تقف أمامه بابتسامة عريضة تقول له ضاحكة:
"الغدا جاهز وخالتو هدى بتنده عليك من بدري، اللي شاغل بالك يتهنى به".
أنهت كلماتها تضع يدها على فمها تخفي ضحكتها وارتباكها عنه. حرك رأسه يمنة ويساراً يحاول العودة إلى الحاضر لينهض بحرج ويقول وأنظاره تتجه حيث أشارت:
"ماسمعتهاش، هروح حالاً.. متشكر".
عينها تعلقت به وهو يبتعد عنها لتضع يدها على قلبها الذي يخفق بشدة أمامه، وتنهدت تحاول أن تخفف من تلك المشاعر قبل أن تفضحها.
***************"*****
اجتمع الجميع حول المائدة وانعزلت الفتيات في مكان مختلف كي يحظين بتلك المساحة من الخصوصية، يتبادلن فيها حديثاً يسوده المواضيع الأنثوية بعيداً عن أجواء العائلة الذي ملأته الجدية وطغى عليه حديث المال والسوق وبعض التعاملات الإدارية، الذي زاده رتابة حتى قررت أن تغير هي مجرى الحديث عندما طرحت عليهم اقتراحها:
"أحنا مسافرين قنا الأسبوع اللي جاي، إيه رأيكم نخلي السفرية جماعية ونعتبرها رحلة نغير فيها جو؟ من زمان متجمعناش في رحلة زي دي".
أنهت اقتراحها والتفتت نحو زوجها كأنها تطلب منه دعمها. لم يكن هو غافلاً عن مطلبها فقد أصبح يستطيع قراءة عيونها قبل أن تنطق شفتاها بما تريد قوله، فحبها وتلك العشرة الطويلة بينهما منحت أرواحهما تلك الشفافية والالتحام كروح واحدة في جسدين. رمشت عينه، كانت إشارة كافية منه بأنه سيستلم دفة الحديث:
"آه والله كلام شمس صحيح، أحنا من زمان متجمعناش، وراجح كلمني أكتر من مرة وألح عليا عشان أشوف مزرعة الخيل اللي هو عاملها".
"أصيل كمان نازل الأسبوع اللي جاي، وأهي فرصة ننزل معاه، أنا عن نفسي معنديش مانع".
جملة أيد فيها سيف والديه، فتلك البلد لها معزة كبيرة في قلبه. دارت عينا فارس وشمس حول الجميع في انتظار إجابتهم، لينظر كل منهم بدوره نحو زوجته وأولاده يستشف منهم رأيهم في هذه الرحلة.
"إيه رأيك يا ندى؟".
سؤال طرحه طارق لتهز رأسها باقتناع وأجابت:
"معنديش مانع أهو نغير جو".
ابتسم فارس عندما وافق شقيقه وزوجته على مرافقتهم، ليلتفت بسرعة نحو ابن عمه وصديقه المقرب يسأله بلهفة ويمني نفسه أن يوافق:
"وأنت يا علي، هتيجوا معانا؟".
ليسبق حسين والده في الإجابة، فقد كانت تلك الرحلة بمثابة فرصة له كي يقضي وقتاً أطول مع حبيبته علها تستطيع أن تقرأ مشاعره وتعرف مدى حبه لها:
"أكيد جايين معاكم مفيش كلام، ده أنا أموت في الخيل!".
ضحك علي وهو ينظر له نظرة جانبية وقال يؤنبه:
"شايف حضرتك بتقرر بقلب جامد وكأن قراري تحصيل حاصل يا حسين باشا!".
ليتدارك هو استعجاله ويغطي عليه بفكاهته المعهودة ومزاحه مع والده:
"هو أنا أقدر يا كبير؟ الرأي رأيك طبعاً، بس أنت أكيد مش هترفض عشان خاطري.. أكيد".
هز رأسه بقلة حيلة ولوح بيده باستهزاء وهو يعطي جوابه لابن عمه:
"خلاص يا فارس، مادام عشان خاطر حسين".
"يعيش علي الجوهري ناصر الغلابة!".
هتف بها حسين وسط ضحكات الجميع، وشريف ابن خالته يشاركه الهتاف:
"يااا يعيش!".
حتى صمت فجأة وهو يرى نظرة استهجان من والده اسكتته.
"طب هو بيهتف عشان هيروح معانا الرحلة، حضرتك بتهتف معاه ليه؟ ممكن أفهم؟".
هز رأسه مؤكداً بابتسامة عريضة:
"عشان هروح معاكم".
لكن بسمته اختفت تدريجياً ليصمت في لحظة إدراك وكأنه فهم تواً مقصد والده، لتتسع عيناه بدهشة وهو يسأله عما يخشى جوابه:
"تقصد يا بابا إني مش رايح معاكم؟".
"أيوه مش رايح، أمال مين هيمسك المحلات مكاني؟".
ليمط شفتيه بخيبة أمل ويعاتب والده مصطنعاً الحزن:
"كده يا فارس يا جوهري؟ اشمعنى أنا ابن البطة السودا يعني؟".
"ولد!".
صرخ بها يوبخه، ووالدته ترمقه بغضب قبل أن تسبق والده في زجره:
"أنا بطة سودا يا قليل الأدب؟!".
كتم الجميع ضحكاتهم على نقاش هذا المشاكس ووالديه، حتى أفلت سيف وحسين ضحكاتهم يحركون حواجبهم له في محاولة لإغاظته، فيبادلهم هو بحركات متوعدة ورافضة، يشير بحسرة نحو والده الذي حطم آماله حتى دب الأمل من جديد حين قال العم حسن:
"ما تأخذ الولد معاكم يا فارس وخلي صالح يأخذ باله من المحلات، الراجل أمين وبيشتغل معاك من زمان".
تنهد فارس يفسر له بعملية وسط ترقب شريف لتبريره:
"محدش هيكون أمين على مالك قدك، يا عمي أنت ابن سوق وفاهمني، بضاعة أوروبا هتوصل الأسبوع اللي جاي ولازم واحد فينا يكون موجود".
حرك العم حسن رأسه متفهماً ومؤازراً لقراره، مما جعل شريف يخفض عينيه نحو طبق طعامه يأكل منه بشراهة كأنه يخرج غيظه فيه.
"خذوا حسن معاكم يا علي".
قالها العم حسن مشيراً بيده نحو حفيده الذي اعترض مباشرة:
"وأسيبك إزاي يا جدي؟".
"ملكش دعوة بيا أنا هعرف أدبر نفسي".
"ما تيجي معانا يا با".
قالها علي برجاء وهو ينظر إلى والده الذي رفض بشدة معللاً ذلك بالمرض:
"صحتي يا بني مش هتستحمل مشوار طويل كده".
"ما تيجي أنتِ يا صافي وإلا مش هتقدري تبعدي عن حبيب القلب؟".
قالها حسين هذه المرة لجدته التي ابتسمت على مشاكسته وقالت تجاريه واضعة كف يدها فوق كف زوجها:
"أيوه مش هقدر أبعد عن حبيبي".
لينهره حسن بانزعاج مزيف:
"ملكش دعوة بمراتي يا ابن علي!".
استمرت الأحاديث حول الاستعدادات لهذه الرحلة حتى انتهى الغداء ببعض القرارات التي اتفق عليها الجميع.
*****"******************
اتخذ من حمل الأطباق وإعادتها إلى المطبخ حجة لرؤيتها. خطا بخطوات متلهفة نحو المطبخ يحمل عدة أطباق كأنه يستعرض قوته أمامها. خفق قلبه بجنون وهو يجدها تتحرك هنا وهناك تساعد العاملة وابنة خالتها ورد في تنظيم المكان، ليبتسم بتلقائية ويقترب منها متناسياً العالم من حوله، عيناه كانتا لا تحيدان عنها:
"أحط الأطباق فين يا قمر؟".
اختطفت نظرة جانبية نحوه حملت نفوراً مبطناً تغاضى عنه قلبه العاشق بل ولم يشعر به، وهي تجيبه باقتضاب مشيره نحو العاملة:
"أديهم لجيني".
لم تفارق ابتسامته فمه؛ كان صوتها سحراً فغاب عن العالم. وصل أمام جيني لكنه بقي متسمراً مكانه لا يعلم ماذا يفعل، حتى أفاقته هي حين سحبت منه الأطباق بعنف ووضعتهم في الحوض:
"أشكرك".
هز رأسه منتفضاً وقال متداركاً حرجه بعد نظرة الاستغراب التي حدجته بها جيني:
"سوري جيني كنت سرحان".
هزت رأسها مستهزئة كما فعلت قمر وهي تراقب الموقف من بعيد لتتمتم بشمئزاز:
"غبي".
التفت هو نحوها وقال مخاطباً ورد وعيناه تختلسان النظر نحوها:
"متحمس للرحلة أكيد هتكون جميلة".
ضغط على كلمته الأخيرة يقصدها، لكنها كانت مندمجة ولم تعره انتباهاً لتجامله ورد قائلة بابتسامة:
"بصراحة أنا كمان متحمسة، أنا مزرتش قنا قبل كده، كل ما ماما وبابا يسافروا كنت بكون مشغولة بالامتحانات".
كانت تتكلم وعيناها تتوزعان بين الاثنين، ليردف هو:
"لأ أنا رحت هناك مرتين تلاتة ومتحمس أشوف مزرعة الخيل، راجح بيه إنسان محترم أوي وذوق جداً.. مش كده يا قمر؟".
سألها بتلعثم كي يجرها للحديث معه مجبرة، لكنها خيبت أمله والتفتت التفاتة سريعة تجيبه كي تتخلص من وجوده قبل أن تعود من جديد لما كانت تفعله:
"آه".
مسح وجهه بيده وتحمحم بحرج من أسلوبها معه، لكن قلبه الغبي يعطيها العذر ويضع أمام عقله مجموعة من الحجج يحجب عن عقله رؤية فظاظتها معه في الحديث، ليحاول حفظ ماء وجهه بالفكاهة كما يفعل أمامها دائماً:
"أنا خايف لأتحمس كتير وأرجع متكسر، وبدل ما أستمتع أقضيها مستشفيات".
ابتسمت ورد على حديثه وقالت:
"لا إن شاء الله ميحصلش كده، أنت بس خلي بالك ومتندفعش في حماسك".
ليضحك ضحكة استفزتها وهو يقول:
"أنتم لما تلاقوني اتحمست حوشوني!".
ضحكت ورد وأكملت معه الحديث الذي تخلله بعض النكات الثقيلة التي جعلت وجهها يمتعض وتزفر أنفاسها بضيق، تتمنى لو تستطيع طرده من المكان.
***********" "" "*****************
حملت تلك فناجين القهوة توزعها على الجميع بعد انتهاء الغداء، ليستقبلها والدها بترحيب وهو يلتقط منها فنجان القهوة، فهي "حبيبة أبيها" كما يلقبها:
"أهلاً.. أهلاً يا وردتي.... تسلم إيدك يا نور عيني".
طرب قلبها المحب له وأشرق وجهها بابتسامة عريضة رغم خجلها وأعين الجميع تتوجه نحوها:
"تسلم يا حبيبي، بالهنا والشفا".
ذلك الترحيب أثار غيرة مليكة ابنة خالتها التي عاتبت والدها وهي تضع يديها على كتفيه بطفولة:
"شايف يا بابا؟ أونكل طارق بيدلع ورد إزاي، ما تدلعني زيه؟".
أنهت حديثها وهي تسند يدها على خصرها بوجه عبوس متذمر، جعل كل من يشاهدها يضحك على هيئتها، لتنهرها هدى قائلة بلوم:
"يعني بابا مش بيدلعك يا لوكا؟!".
أخفضت يدها ببطء وهي تطالع وجه والدها الذي يمثل الحزن، وقالت جملتها باعتذار:
"بابا حبيبي بيدلعني لكن مش زي ما أونكل طارق بيدلع ورد ولا زي تيتة صفاء ما بدلع سونة".
"إيه نظام القر ده؟ مالك بسونة؟ أنتِ مش كنتِ مركزة مع ورد؟ خلاص خليكي مع ورد وسيبي سونة".
هتف بها حسين معترضاً ثم نهض يكمل حديثه وهو يقبل رأس صفاء ويغمز لها:
"بيغيروا من حبنا يا صافي".
أمسكت يده وقالت مبتسمة:
"ملكش دعوة، محدش يقدر يفرقنا يا روحي".
ذلك الحوار جعل الجميع يبتسم، ليقول العم حسن مشيراً لحفيدته أن تجلس بجواره وهو يرمق حسين الذي احتضن صفاء بانزعاج زائف:
"تعالي يا لوكا أنا أدلعك يا حبيبتي، خلي حسين ينفع صفاء!".
أسرعت مليكة تلبي دعوة جدها لتجلس بجانبه وتحتضنه وسط ضحكات الجميع. أكملت مهمتها في تقديم القهوة لتقترب منه، وكل خطوة كانت تخطوها يرتجف معها قلبها، وتضغط متمسكة بتلك الصينية تخشى أن تتعثر وتهوي فناجين القهوة على الأرض. وقفت أمامه وانحنت نحو الأمام تصارع ارتباكها وتجاهد لإخراج صوتها الذي اختنق في جوفها، لتتوسل شفتاها أن تنطق:
"اتفضل".
كلمة واحدة لا تعرف كيف خرجت لترحمها. رفع نظره عن شاشة هاتفه الذي كان يمسكه ويقلب صفحاته بدقة، لتلتقي عيناه بعينيها. لحظات صمت فيها الكلام وحضرت معها مشاهد من الماضي وهم يلعبون سوياً، لترتسم ابتسامة عفوية على وجهه رقص لها قلبها قبل أن تسمعه يقول:
"متشكر يا ورد، تسلم إيدك".
كلمات معدودة منه كانت كفيلة ببعثرة مشاعرها حتى كادت أن تفلت الفناجين الباقية، لكنها تداركت ذلك دون أن يلاحظ أحد وأجابته بابتسامة:
"ألف هنا".
ابتعدت عنه وسمحت لنفسها بأخذ نفس طويل يحمل آمالاً جميلة بعد أن كانت أنفاسها حبيسة صدرها، لتتنهد بعشق وتسأل نفسها بتمني:
"يا ترى إمتى هتحس بحبي ليك يا سيف؟".
***********************"" ""
مساءً في منزل طارق، كان الجو هادئاً قبل أن يُطرق الباب وتهرول أحلام نحو الباب بسرعة، تتمنى أن صوته لم يصل للآخرين. فتحت الباب لتجده يقف أمامها مبتسماً، يشهر ذلك الكيس في وجهها ويقول مازحاً:
"اتفضلي يا هانم، الدليفري وصل".
ضحكت تنتشل ذلك الكيس وتقول بامتنان:
"متشكرة يا شريف، متشكرة أوي".
أشار لها نحو الكيس وقال:
"طب قيسيه الأول، مش يمكن يطلع مش مقاسك؟".
لوحت له مطمئنة وهي تجلس على الكرسي القريب وتحاول ارتداءه:
"ماتخافش هو مضبوط أكيد ولونه تحفة زي الصورة بالضبط، تسلم إيدك".
لوى شفته متهكماً وقال يمازحها:
"إيكش يثمر.. وانبسطي يا أحلام في الرحلة وابقي افتكريني".
حدجته بنظرة جانبية مستنكرة وقالت وهي تشهر أصابعها الخمسة في وجهه:
"قل أعوذ برب الفلق... أنت هتقر عليا؟!". لتضع الحذاء في الكيس بضيق وتنهض بسرعة متجهة نحوه ترفع الكيس أمامه: "أنت هتذلني بالجزمة؟ خدها!".
مد يده يدفع يدها بخفة ويقول ضاحكاً:
"أنتِ اتقمصتِ يا قموصة هانم؟".
ربعت يدها أمام صدرها وأشاحت وجهها عنه تخبره بحنق:
"أيوه".
ضرب رأسها بخفة وقال بلامبالاة:
"اتلهي يا بت، معنديش وقت أصالحك أنا عاوز اللي يصالحني.. أنا عايش اكتئاب في اللحظة دي ومستعجل عندي شغل امتلتل، ده أنا خطفت نفسي من الحج عشان أجلبيك الجزمة، لو فارس الجوهري عرف بغيابي هيطين عيشتي!".
لانت ملامحها وحلت ابتسامة مكان عبوسها لتلتفت نحوه تسأله بأسف:
"ليه ماقولتش إن عندك شغل؟ كنت طلبته أونلاين".
ابتسم لها يرفع سبابته أمامه:
"وافرضي اتأخر؟ أسيبك تروحي قنا من غير الجزمة اللي نفسك فيها؟".
ادمعت عينها وقالت بامتنان:
"متشكرة أوي يا شريف، أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه".
"اعملي شاي بلبن".
ضحكت على إجابته الهزلية وهزت رأسها بقلة حيلة فهي متعودة على ذلك، ليستدير ويهم بالرحيل، وقبل أن يصل إلى الباب أعادت شكره:
"متشكرة يا شريف".
التفت إليها وقال:
"مفيش شكر بين الإخوات".
أمسك مقبض الباب وادعى الحزن ليرفع يديه يمثل أنه يمسح دموعه الوهمية بطريقة فكاهية ويخبرها:
"افتكريني كل ما تاكلي بط وحمام وفطير مشلتت من إيد خالة فرحة.. سلام".
لوحت له مودعة:
"سلام".
فتح الباب ليغادر فوجد عمه أمامه، نظر إليه مندهشاً:
"شريف؟".
"أهلاً يا عمي".
وزع نظره بينه وبين أحلام التي تقف خلفه وتنظر لوالدها بتوتر. ليسرع شريف يوضح سبب وجوده بعد أن أشعرته نظرات عمه بتعجب:
"أنا جيت أجيب الجزمة اللي طلبتها أحلام".
تراخت ملامح طارق وأومأ برأسه متفهماً:
"كتر خيرك".
تركهم شريف وغادر لتتراجع أحلام إلى الوراء تفسح مجالاً لوالدها بالدخول، ليدخل فالتفتت لتصطدم عينها بعين والدتها التي كانت تقف تحدق بها ونظرتها لا تنبئ بخير، لتسألها بغضب:
"شريف كان بيعمل إيه هنا؟".
ارتبكت لتحتضن الحذاء كأنها تحتمي به، تجيبها بتلعثم:
"أصل فيه محل جنبهم بيبيع جزم حلوة، وريته الصورة وجاب لي الجزمة دلوقتي أصلها مريحة عشان الرحلة".
تلك الإجابة لم تقنع ندى التي هتفت بحنق معترضة:
"وليه مطلبتيش أونلاين وإلا كلمتِ أبوكِ؟".
بلعت ريقها برعب وهي ترى تصاعد غضب والدتها فخرجت كلماتها مرتجفة:
"خفت يتأخر".
"روحي يا أحلام على أوضتك".
قالها طارق يضرب على كتفها ويشير لها أن تغادر وسط نظرات ندى المستنكرة، لكنه كرر حديثه يعاود ضرب كتفها يحثها على سماع أوامره. نقلت نظرها بينه وبين والدتها التي صمتت على مضض، ليهز رأسه مؤكداً. هرولت راكضة نحو غرفتها تهرب من نظرات والدتها التي تخشى عقابها، وبمجرد اختفائها انفجرت ندى في زوجها:
"أنا مرضتش أكسر كلمتك قدامها، لكن البنت دي كان لازم تتعاقب!".
اقترب منها بهدوء يحاول امتصاص غضبها:
"متكبريش الموضوع يا ندى، شريف مهما كان ابن عمها يعني مش غريب".
لتهتف بغضب ويدها تتحرك بهيجان:
"أديك قولتها.. ابن عمها مش أخوها! زمان كنتوا بتقولوا زملاء، دلوقتي إيه حجتها يعني؟ ومتقولش قريبين وصحاب، ما أنا مش هحط البنزين جنب النار وأقول صحاب وولاد عم يا طارق!".
أمسك طارق ذراعها برفق وأشار لها محذراً:
"ششش... اهدي وبلاش العصبية دي وتعالي نحسبها بالعقل".
جذب يدها لتجلس على الأريكة وجلس هو قريباً منها، مد يده يمسك يدها التي ترتجف من شدة الغضب وقال:
"أنتِ صح مش هنختلف، لكن أنتِ كده بتنبهيها؛ بنتك يا ندى واخدة الحكاية إخوة وصداقة، أنتِ كده بتوعيها لما بتمنعيها فجأة وتزرعي جواها إنه ابن عمها مش أخوها، هتخليها تفكر فيه بشكل مختلف".
هدأ ارتجاف يدها وتطلعت به ثم بدأت تستوعب تفكيره، هي لم تفكر في هذه الزاوية. عاد بجسده إلى الوراء يسترخي في جلوسه وقال بندم:
"أحنا اللي غلطنا من البداية يا ندى، لما سبناهم مع بعض ابتدائي وإعدادي وثانوي وكلية، وكنا شايفين تعلقها بيه وإنه صاحبها الأنتيم وسكتنا وقلنا ابن عمها سندها وهيحميها من الغريب، ودلوقتي بنقول لها سيبيه!".
التقت أعينهما في حيرة، أحدهما يستنجد بالآخر من مجهول ربما بالغوا في الخوف منه. لحظات من السكون كسرتها هي تسأله:
"والحل إيه يا طارق؟".
انحنى قليلاً نحو الأمام ينظر إلى يديه التي شبكها يستجمع أفكاره، ليرفع نظره نحوها ويقول:
"سيبيها للزمن يا ندى، بكرة تتجوز إن شاء الله وتنشغل في بيتها وعيالها وتنسى شريف وصداقتهم دي". ثم ابتسم مازحاً يحاول التخفيف من اضطرابها: "وجايز تشوفه في الشارع وتتكسف تسلم عليه".
رسمت شبح ابتسامة، وقلبها لا يزال ينبض بتوتر، وتخشى أن تسقط ابنتها في حبه وهو يراها شقيقته، أو تخشى أن يسحبهما الشيطان لمنزلق أكبر رغم ثقتها في تربيتها وتربية شقيقتها، لكن هي تخشى ساعة ينتصر فيها الشيطان ويهزم حصون تربيتهم.
